بين مقص سرتي ومقص الرقيب
وأنا أقرأ مقالاً حول ثقافة (المقصدار) شعرت بوخزة مقص الرقيب التي أكلت نصيبي منها في حياتي، ويبدو أن ذلك المقص الذي كانت جدتي تحمله عند ولادتي وهي تنتظرني ما زال يطاردني إلى حدِّ اليوم..
مقص، حوارية مسدس، حذف وDelete.. ، كبت، ممنوع.. أشياء لا تتجدد في عالمنا العربي على الرغم من الصدئ الذي اعترى تلك الأدوات، إلا أنها ما زالت فعالة ونشطة وتقوم بواجبها على أتم وجه.. إنها جدلية التخيير والتسيير. والمضحك أنها لا تبدع إلا عندما ينتج العقل البشري نتاجاً خالصاً للوطن في أقصى درجات الصدق مع النفس لحظة الإبداع يأتي من عمق الحماقة ودهاليز السلطة من يقصّ لك لسانك كما يقص شريطاً لافتتاح إحدى الأماكن بكل تلك البساطة.
تذكرت لحظات كنتُ فيها بطلاً لإحدى تلك المقصات.. أقصد تلك الأفلام.. مذ تبنيت الكتابة لوطني الضائع الذي ما زلت أبحث عنه.. فتهت بين سراديب ستوكهولم وسدني بحثاً عن وطن، عندها بات وطني اللاموجود قضيتي اليومية.
بدأتَ بتصوير أفلام وأفلام عن وطني بواسطة قلمي الرصاصي، في إحدى المشاهد أهيم على وجهي في شوارع المدينة ثم أكتب عن ذكرياتي مع رجال السلطة، في اليوم التالي (أحاول) نشره، يأتيني المنع من قبل أصحاب المقصات، أعيد صياغة الفيلم فأجعله يحمل طابعاً كوميدياً نوعاً ما ليخفف من ثقل المشهد. ثم أنشره..
يبقى عدة ساعات أمام القراء ثم يأتي مقص الرقيب على حين غفلة ويرسله إلى سلة القمامة.. يتملكني شعور بالبكاء والغضب.. لكنني أضحك وأقول لماذا يا سعادة المراقب؟ يأتيك الرد: أما قرأت شروط الاشتراك، ألا تعرف قوانين البلاد، اكتب كل ما تريد لكن لا تمسّ القادة، ولا تمسّ رجال الأمن ولا المخابرات ولا الشرطة ولا اللصوص ولا سارقي العقول ولا نابشي القبور.. ولا ولا ولا.. وإلا فسيأتيك المقص ولسان حاله يقول: ابتلع.. تجرّع.. لا يمكن ان تلفت مني ولو كنت في بروج مشيدة.
سمعت فولتير الأحمق يقول يوماً: (قد أختلف معك في الرأي .. ولكنني على استعداد أن أدفع حياتي ثمناً حتي تقول رأيك).. كم هو غبي هذا الرجل.. دعوني أكمل الحديث.
حسناً سأغير قليلاً في النص.. أبدأ بمشهد ثاني وأسبقه بالجمل التالية:
الشخصيات الواردة لا تمت إلى الواقع بصلة وأي تشابه هو صدفة لا أكثر ولا أقل.
لم تنفع.. محاولة أخرى:
الشخصيات والقصة لا تمتان إلى الواقع بصلة وأي تشابه هو من قبيل الصدفة لا أكثر.
عند ذلك يتحول المقال والوطن وكل شيء إلى خارج الزمان والمكان.. فأبدأ بإعادة توليف الفيلم كاملاً.. أحذف الكثير.. وأعدل الكثير وأحشو الكثير عوضاً عن النقص..
في النهاية الحتمية الأزلية أشعر بالضياع؟ وينتابني شعور بالدونية والعجز الدائم؟ أشعر أن أحدهم ربط لساني بحلقي ويطلب مني أن أتكلم. أريد أن أنزوي لفترة وأترك الكتابة.. آخذ حبوباً مهدئة.. أضحك بهستيريا بكائية..
نتائج عادية ما وصلت إليه، فأنا الآن قد أضفتُ إلى وطني الضائع.. قصاصة أخرى غير مقروءة في سلة النفايات..
ونبقى نغرد كالببغاوات: ليس من الضروري أن أتبنى وجهة نظرك لنكون أصدقاء.. (بلى هي ضرورة).
ليس من الضروري أن نختلف في آرائنا لدرجة أن نشتم بعض و نعتبر بعضنا أعداء (بلى إذا لم تقبل رأيي فأنت عدوي).
لكن الحقيقة هي: لي آرائي ولك آرائك.. وهذه أرضي وتلك حدودي وأنا أمنعك من قول ما تريد في فضائي..
قررت في النهاية الرقص، بعد أن فقدت إحساسي بما في رأسي، نعم سأبدأ الرقص من اليوم فصاعداً، فما أجمل الرقص مع مقص الرقيب..
لسان حاله يقول ابتلعني
تجرعني لا يمكنك أن تفلت مني..
ونحن أناس ديمقراطيون في النهاية..
ملاحظة: كتب المقال بالاشتراك مع (سما).. كنا قد أدرجنا هذه الملاحظة عند اطلاق المدوّنة والمتابعين من بدايتها يدرونها.. لكنها حذفت بناء على طلب الاخت سما.. لكننا نعيدها ههنا لجهل البعض.. ألا لا يجهل علينا أحد فنجهل فوق جهل الجاهلينا!! دمتم











اترك رد