الحركات الأصولية.. بين مطرقة الجهاد وسندان الإرهاب

الجهاد ومعناه بالعربية بذل الجهد والعزم لبلوغ هدف محدد والتعبير الكامل هو الجهاد في سبيل الله، وقد درجت العادة في الأدبيات الأوربية بمختلف لغاتها على ترجمة الجهاد باستعمال اصطلاح (الحرب المقدسة) وذلك في محاولةٍ لاستيفاء المعنى. والجهاد ليس حرب مقدسة مدفوعة بالحقد غايتها الإبادة ولكن وبحسب النص القرآني هدف الجهاد المحدد هو نشر الإسلام أو الدفاع عنه وعن أي شبر من أرض الإسلام (ويكيبيديا الموسوعة الحرة).

إن قضية الجهاد بالذات يختلف فيها العلماء كثيراً، وإن كان مما يؤسف له أن الذي شاع واشتهر لدى الكثيرين أن الإسلام يأمر بمقاتلة كل من يخالفه، سواء أكانوا وثنيين مشركين أم أهل كتاب (يهودا أو نصارى) أم ملاحدة جاحدين أم غيرهم من الغافلين الذين لا يفكرون في أمر الدين إيجاباً ولا سلباً، وسواء أسالمه هؤلاء أم حاربوه، فلا بد أن يقاتَلوا حتى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. لا بل تعدّى ذلك إلى جهاد الطوائف الإسلامية الأخرى التي لا تتفق مع المنهج العام لتلك الجماعة.

هذا التوسع في مفهوم الجهاد لم يعد يقتصر على تلك المعاني السامية التي حددتها الشريعة بل تعدّتها إلى تفاسير أقرب ما تكون للحرب العامة الشاملة على جميع مناحي الحياة، الأمر الذي أدى إلى نشوء حركات جهادية اسلامية ذات توجهات أصولية متطرفة فمن تنظيم القاعدة إلى أنصار الإسلام - جيش أنصار السنة ـ أبو مصعب الزرقاوي ـ كتائب أبي حفص - جند الشام - جند الإسلام.. والعديد والعديد من هذه الحركات الأصولية المنتشرة على طول الأمة وعرضها وكلها تقاتل باسم الدين. وإن اختلفت في أهدافها ومبادئها نوعاً ما إلا أن الثابت فيها هو الاعتراض على كل أشكال الممارسات الدينية غير الصريحة الورود في الكتاب والسنة ومهاجمة تلك الطقوس ونزع الشرعية عن الممارسات الاجتماعية لتصبح ضلالا وشركاً وكفراً ومهاجمة كل الطوائف الدينية الأخرى بغض النظر عن مرجعها الإسلامي أو غير الإسلامي مما يضفي على هذا الاعتراض بعدا دينيا يستهدف بالأساس الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي أي تدمير الأنسقة الرمزية التي يتشكل منها المجتمع و فرض بديل أحادي الرؤية فهي بذلك لا تقبل الحوار ولا تعترف بهوية الآخر.تقوم هذه الحركات في أساسها البنيوي على النسخ الفقهي الحرفي من جهة ونزعتها الثقافية الشديدة العداء للغرب بكافة جوانبه، إنها رؤية صارمة و حرفية للرسالة القرآنية في صياغتها الحنبلية وفقاً لنظرة قادتهم السطحية لهذه الأمور. والتي ترى من الدين تبريراً لمواقف متطرفة بعيدة كل البعد عن روحه، إنه وضع خطير لا سيما وأن أبطال (الهوس الديني) الحالي هم شباب من الجيل الجديد ومجموعة من الأشخاص ذوو الجنوح السيكولوجي إلى الإجرام، فهؤلاء وقود تلك الحرب وهؤلاء قادتها.

لكن الطامة الكبرى هي (ربط هذا الإجرام بالإسلام) بواسطة هؤلاء الذين يزعمون أنهم يخدمون الإسلام ولكنهم في حقيقة الأمر وواقع الحال (مجرد خدم) لأعداء الإسلام. فترى المسلم يقتل أخاه المسلم ويخرب ويفجر باسم الإسلام، والاسلام بريء من أفعالهم. وما النماذج التي نراها في العراق ولبنان والتي رأيناها في سورية قبل ردح من الزمن إلا نقاط علامة تدلّ بوضوح على انغلاق المنهجية والعقل لدى هؤلاء.

لا أعرف ماذا أستطيع أن اسم هؤلاء.. ومن المضحك المبكي أن بعض هذه الحركات تعتبر حركات جهادية نضالية صرفة في نظر البعض والكلام عنها بطريقة تهكمية هو نوع من الخطوط الحمراء عندهم.

  

 

 

والحق يقال فإن موضوع الجهاد موضوع شائك جداً، ولم أتعمد نقاش جوانب الجهاد الحديثة في هذا المقال لكنني أناقش التفسير المحدود لمفهوم الجهاد الذي تبنّته بعض الحركات الأصولية الحديثة لتبرير ولوغها في دماء المسلمين باسم الجهاد.
 

فمن جهة أخرى نستطيع القول بأنه ليست كل الحركات الجهادية هي حركات أصولية ذات نزعة عدوانية متطرفة.. فمنها ما يعمل خالصاً لوجه الله في سبيل تحرير البلاد والعباد من نير العبودية والاستعمار. وقد يختلف اثنان في بعض هذه الحركات فربما الحركات التي أراها أنها حركات جماهيرية ذات طابع ديني سياسي تسعى لتحرير المجتمع والرقي به، قد يراها غيري بغير ذلك المنظور، والحركات التي قد أراها بأنها تقتل باسم الجهاد المسلمين قد يراها البعض الآخر أنها في سبيل نصرة الإسلام؟!!

لكن بنظرة متأنية نستطيع التفريق بين هذه الفرق التي تقتل باسم الإسلام الطفل والشيخ والمرأة، وبين تلك التي تدافع عن حق مشروع وتقوم بواجب وطني ما.
 

ولا يخفى على كل ذي لبٍّ سهولة التفريق في هذه المعادلة من حيث الأسس والقواعد التي بنيت عليها مبادئ كل حركة أو منظمة وقيامها بدورها الإصلاحي أو التخريبي على الساحة، ومدى الالتفاف الجماهيري حولها.

ولا يختلف اثنان أن جهاد المقاومة والتحرير من المحتلين من المسلمات في الشريعة الإسلامية، لكن أن يتحول الجهاد إلى جهاد أهل الكتاب والوثنيين وأهل القرآن في آن واحد فذلك يبعدنا تماماً عن مفهومه الأساسي، والنهج الذي تسير عليه معظم تلك الجماعات هي من هذا القبيل، جماعات تكفيرية غير قابلة للنقاش ذات هدف محدد هو نصرة المذهب لا الدين بغض النظر عن كون الأطياف الأخرى تعتبر مسلمة على مذهب آخر أم لا.. فطالما هي لا تشترك في هذا الرؤية للدين الإسلامي تعتبر مارقة ووجب تصفيتها.
 

وقد أوردت فريال مهنا في كتابها (إشكالية الجهاد في عصر المعلوماتية) معاني مختلفة للجهاد حيث أضحى مفهوم «الجهاد» برؤيته الإسلامية، ضمن هذا السياق مفهوماً محورياً لجهة اقتران هذا المفهوم الفريضة بمتحولات السيادة والآخر، وتقاطعه مع إشكاليات المركزية والهوية والتراث في الفكر الإسلامي. وتحاول في كتابها تقديم مقاربة معرفية لتفنيد الموروث الفقهي المتراكم حول مفهوم الجهاد، مستعيناً بمنهج إدراكي للقرآن الكريم في قوانينه الكلية، والسنة النبوية والعصر الراشدي كنموذج عملي وسلوكي، في سعي من المؤلفة (فريال مهنا) لتجريد هذه الفريضة الحاضرة بقوة الآن، عن المثالية والرومانسية - على حد تعبيرها - وتحريرها من التنميط المشوه لحقيقتها والذي أفقدها مع تطاول السنين وتعاقبها قيمها الأخلاقية.
 

ما أفرزه الفكر المعوج للجهاد عند بعض تلك الجماعات أدى الى تطبيق أساء للإسلام، ولعل مما ساهم في هذا عدم التمحيص الدقيق في فهم بعض آيات القرآن. أو الانطلاق وراء مكاسب دنيوية من قبل البعض باسم الجهاد. ما نحتاجه هذه الأيام هو إعادة صياغة مفاهيم الجهاد وفق المتطلبات العصرية من قبل العلماء إضافة إلى شرح موسع لتلك المفاهيم حتى يتسنى للقاصي والداني معرفة هذا الفرض الإلهي وسبل التعامل معه وفقاً للنظرة القرآنية. لذلك لابد من وضع حد لهؤلاء المتاجرين باسم الدين وسحب ورقة الدين من كلِّ من أراد استغلاله لغير أغراضه النبيلة، فالوطن للجميع والدين لله.
(قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) 

~ بواسطة medaad على مارس 4, 2007.

اترك رد