عذراً.. أنا لستُ رجلاً..

24 12 2007


اكتشفتُ مؤخراً أن (رجل) تعني مرتبة عالية في التكوين البشري لا يعلمها إلا (الرِّجال) الراسخون في العلم، وأولئك الذين (لا تلهيهم تجارة ولا مال) عن (رجولتهم)..

ثم – مع الأسف – اكتشفت أيضاً أنني لستُ رجلاً؟!!!!

نعم.. أعترفُ أنني لستُ رجلاً وأنا على علم في قرارة نفسي بأن صديقتي المقربة ستتركني بعد هذا الاعتراف وسيشمت بي الأصدقاء قبل الأعداء.. لكنني والحق أقول لا أحب اصطناع ما لستُ أنا عليه..

أما كيف اكتشفتُ ذلك فإليكم ما حدث:

قبل عدة أيام حين كان العقرب الصغير للساعة الحائطية يشير إلى الثالثة صباحاً دقّ جرس الهاتف اللعين مرة واثنتان وعشرة وعشرين وألف وستمئة وثلاثة وأربعون مرة.. فاضطررت تحت وطأة الإزعاج أن أنطق بالكلمة السحرية التي فتحت باب مغارة (علي بابا والأربعون رجلاً) وقلت: (هلو)..

- ألو.. مرحباً كيفك يا رجل.. ما أخبارك.. كل عام وأنت بخير….

بعد محادثة طويلة من الطرف الآخر عن الصحة والأحوال والوضع العام كنت أتخبط بيأس أن أنهي المكالمة إلا أن (الرَّجل) لم يكن ليدعني وشأني، وما أن تجاوزت الدقيقة العاشرة حتى نطق بجوهرته العظيمة وقال أنه سيغلق الخط..

انفرجت أساريري عندها.. ولكنها فرحة لم تدم إلا ثوانٍ معدودة لأفاجأ به يقول:

- اتصل أنت بي فعندكم التكلفة أرخص!!!!!

نطقت بالشهادتين عشرين مرة لكنني أعدت الاتصال به مرة أخرى عبر البحار، وكان كل شيء مقبولاً إلى حدٍّ ما، وما زال في تلافيف عقلي بعض الخلايا تعمل، إلا أن (الرَّجل) أسهب في الحديث عن حياته وزواجه مؤخراً وحياته وكيفية اختلافها بعد الزواج وما إلى ذلك.. وأنا أستمع ببلاهة شديدة إليه، حتى بدأ حديثه عن المرأة بسماجة قائلاً:

- يا رجل المرأة كالقمامة سرعان ما تكبر!!!

- عفواً.. ماذا قلت؟ََ!!

- كما سمعت عزيزي.. أحسّ أن زوجتي تكبر كل يوم سنة، حقاً أنهن بحاجة إلى (دعك) و(فركة أذن) دائمة حتى يحافظوا على جمالهن وأنوثتهن ولا أخفيك صدق المثل القائل (المرأة كالحذاء كلّما دعكته ازداد لمعاناً)!!!

- حقاً.. ترى ما هو (الرَّجل) برأيك الكريم عزيزي؟

- الرجل يا سيدي – مثلي ومثلك وأمثالنا قليل – من يملك شارباً كشاربي وصوته رجولي جهوري عال، ويداه طويلتان (يعني الأخ يضرب) وأحياناً يدفع الباب بـ(رِجله)… وإلا كيف سنثبت رجولتنا لمعاشر النساء!!!

عند ذلك طار شيطان النوم من جفوني.. وكأن أحدهم رمى عليّ ماءً بارداً في موسمٍ شتائي قارس.. ومع ذلك ارتفعت حرارتي إلى الخمسمائة درجة فهرنهايت.. الأمر الذي جعلني أصاب بهستيريا بكائية ضاحكة وأنا أحاول لملمة بقايا عقلي المتبعثر على الوسادة في محاولة يائسة مني لأفهم لغة هذا (الرَّجل).. الذي لا هو من كلام الناس ولا من كلام الجن وتأنف الحيوانات أن تتلفظ بمثله..

ثم قلت:

- يا (رَجل) هل تصدق.. البارحة (دهستُ) رجلاً كاملاً بباطن حذائي..

- حقاً!! وكيف حدث الأمر؟!

- أي والله.. قليل الحياء كان يسير في مطبخي وعلى حين غرّة لمحته.. فكان حذائي (نعالي) أسرع من تفكيري فانطلق ليحول هذا (الرَّجل) ذو الشاربين الطويلين إلى ورقة ملتصقة على الأرض ليتبعثر بعد ذلك إلى أشلاء مقرفة. وهل تعلم بأن شارباه كانا أطول من جسمه!!

حالة من الذهول سيطرت على الشخص الذي في الطرف الآخر من سماعة الهاتف وحالة من الصمت كان يحاول فيها أن يفهم ما أقول.. لأقطع ذلك الذهول مرة أخرى بقولي:

- هل علمتَ أنني امتطيت رجلاً آخر في الريف عند زيارتي الأخيرة للريف.. أي والله لا أكذب عليك.. فقد قيل لي بأن هذا (الرَّجل) هو أفضل من (يرفس) بحافريه أقصد بقدميه في القرية كلها.

- حقاً فعلتَ ذلك.. آه بالفعل أنت (رَجلٌ) حقيقي.

- وهل علمتَ بأن اللغة العربية أعطت (الرَّجل) الذي في مخيلتك قيمته الحقيقية؟

- كيف ذلك؟

- الآن عُد إلى المعجم وابحث في باب الراء وابحث عن كلمة (الرِّجل) بكسر الراء وتشديدها، وطبعاً لا تهتم للحركات فهي لا تهم والحالة هذه، سترى كيف أن هذا (الرِّجل) الذي يرفس كالـ(الحمار) أجلّكم الله، هو بالفعل المعنى الحقيقي الذي يمكن أن يعبر به عن الرجولة في مخيلتك الواسعة.

ودعني – صديقي الرَّجل – أقصّ عليك قصّة وأنت غارق في نومك علّها توقظك من سباتك (الرّجولي):

جاء في كتاب (الإمالي):

(قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي النحوي: حدثني أبو الحسن بن البراء قال: حدثني صدقة بن موسى قال: كان في جوارنا رجلٌ اسمه (حمار)، فتزوج من امرأةً من ولد دارا، فحسن موقعها منه، فقالت له: أحب أن تغير اسمك؟

فقال لها: أفعل. ثم قال لها: قد تسمّيتُ بغلاً!!!

فقالت: هو أحسن من ذاك؛ ولكنك بعدُ في الاصطبل).

إلى هنا أغلقت سماعة الهاتف بوجهه غير مأسوفاً عليه. وأنا غارق في الاستغراب من البعض الذين من يدّعون بأنهم (رِجال) فيرسمون هالة قدسية حول أنفسهم وما هم إلا متلبّسين برجولية هاربة منهم في الواقع. بالفعل صدق المثل القائل: كلما ازددت معرفةً بالناس ازداد تقديري للحيوانات..

فإذا كانت هذه من معايير الرجولة فـ(عذراً.. أنا لستُ رجلاً)..


الإجراءات

معلومات

11 ردود

25 12 2007
امير

جميل ماكتبت … وانا ايضا اعتذر ..فانى لست رجلا..فليس لى شاربا
ولا احب الرفس

25 12 2007
Ahmad Bekdash

كلما زرت مدونتك استمتع بالقراءة , والصمت . فالصمت في مقام كتاباتك , كالصﻻة ..

اعذر ثرثرتي هذه المرة .

25 12 2007
يزيد

:) جميل ما قرأت

25 12 2007
The Free Man

أريد أن أعترف أنا أيضاً أني أبعد ما أكون عن الرجال، فلا أملك من تلك الرجولة من شيء.

5 01 2008
maria16

السلام عليكم
بالفعل هذا من أجمل ما قرأت ليس فقط من مدونتك وإنما من كل ما مرت به عيناي

جميل أن يعترف الرجل بغير الرجولة إن كانت تعني شيئا من استضعاف المرأة أو الفقير أو الضعيف

7 01 2008
القط الأسود

أخي الكريم أريد أن أشكرك على ما كتبت وأريد أن أذكرك ما أكثر الرجال في مجتمعنا الشرقي بدئآ بأبي

2 02 2008
غير معروف

جميل جدا

ولكني لم افهم المقصود بهذه العبارة: (اكتشفتُ مؤخراً أن (رجل) تعني مرتبة عالية في التكوين البشري لا يعلمها إلا (الرِّجال) الراسخون في العلم، وأولئك الذين (لا تلهيهم تجارة ولا مال) عن (رجولتهم)..)
هلا شرحها لي احد ما

تحياتي

24 05 2008
جارفة الرحيل

مايثير السخرية
أن رجل تشبه رجل بمعنى قدم
أما إمرأة فتشبه مرة
أي أننا نأتي كالسكر الناعم مرة في حياتكم فقط
نايثن
إدعس رجلا آخر من أجلي

تحيتي

26 05 2008
medaad

إلى جميع من مرّ على هذا الموضوع.. عذراً لتأخري في الرد.. وشكراً لكم على حسن مروركم وتعقيبكم..

السيد غير معروف..
الجملة التالية بصيغة الاندهاش ومدى تقديم المجتمع لهالة الرجل أمام أي شيء آخر ممكن أن يوضع في الحسبان، ويؤخذ في الاعتبار. وهي من قبيل المبالغة.. شكراً لك..

13 01 2009
MOI

اسمح لي ان اقول لك ” أنت الرجـل ” لكن ليس في مجتمعنا الشرقي..

“كثر الله من أمثالك”

21 02 2009
هل كلّ الرجال متشابهين؟!! « مــــــــداد

[...] – عذراً أنا لستُ رجلاً [...]

أضف تعليق