لا غيمة للأشجار..

19 06 2009
The moon and the graves

The moon and the graves

ممهورٌ في شطحاتِ بكاء، أمارسُ طقوس اندهاشي اليومية بكامل أناقتي ولباقتي وربطة ياقتي؛ مدينتي السَّمراء تَمشي على قَارعة الأشياء الضَّحلة يُداعبها صَباحٌ مَاجنٌ مُحتشدٌ بِفراغٍ صَدئ..

أنا والقمرُ الحزين ما زِلنا نشهدُ ثَكلَ مَدينتنا هذهِ.. نَنتظرُ في طابورِ الموتى القادم، بَعدنا لا ثمّة مَنْ يَبكيها.. قدْ عادَ الليلُ مبكّراً وَخطفتْ هاويةُ الضّوء المكسور بَقايا أضرحةِ الموتى، وَأنا.. أنا.. أنمّقُ الحديث وألعقُ المطرَ المتساقط مِن مِزرابِ صَباحي.. صُراخي أضحى ثرثرةً وصمتي لا يملّ الانتظار..

اييهٍ أيها العائدُ مِنْ كُوّة نشوّة، تَموجُ وتخورُ وتمورْ كجهنّمٍ عِربيد يفتحُ حوضَ النار “ألا مِن مَزيد”.. “ألا مِن مَزيد..”.. “ألا.. مِن .. مزيييييييييييد”.. تحرقُ فرحي.. تحرقُ أرقي.. وتحرق حتّى مطري..
ولا يطلّ الله من فرجته..
أقرأ باقي الموضوع »





حافلة الموتى..

12 05 2009

woorden door

زائراً إلى ما كان يُدعى بـ(الوطن) عند البعض، ذاك المنفى المصطبغ بلون الدّم والمغطّى بمساحات شاسعة من الأنين، ذلك القاطن أبداً على حافة الأسئلة.. ذاك البلد المحدودب الظهر تحت ثقل عواهره سدنة بيت ماله ومرتزقة العربات المَلكيّة..

سائراً في الأزقة العتيقة للمدينة التي يندثر فيها الزمن.. تلك المدينة التي ما زالت تنبعثُ من أرصفتها رائحة اللحم البشري.. أراقب بذهول وبعض البَلَه مجموعة من الهررة كفّت عن المواء بسبب برد الشتاء يرافقها أشباح موتى في رحلة بحث يومية بين أكوام القمامة.

الريح الباردة تزاور ذات اليمين وذات الشمال وتعبث بأشلاء المشرّدين.. تعمّدهم الرطوبة ويغتسلون بقمامة الدولة، يسكن في عيونهم نجيعٌ يتساقط مع كلّ مساء وهم يتماسون بالتعب على بعضهم البعض.. كالممسوخين تقطنهم أفكارٌ ممنوعة بكماء لا تنطق.. وحزنٌ وحزن. حزنٌ طويل يمتدّ عميقاً في قرون وسنين وأيام وليالٍ.

“حاكمٌ معتوهٌ وشعارات.. شعارات.. والمزيد من الشعارات التي لا تُسمن من جوعٍ ولا تُغني من برد.. سُحقاً الكلامُ لا يُشبع، وكما الوقت هي الكلمات لا تنجز شيئاً كهؤلاء.. هؤلاء الذين ينسجون من صمتي كلاماً يسترون به ظلمهم..، مَن يكنس هؤلاء النائمين على خاصرة الوقت المترنحة مَن.. مَن..” ستينيٌّ حرثت السنين ملامحه الباردة يهمسُ بها بحنق وهو يبصقُ على ملصقٍ لأحد مرشحي البرلمان، ويستمرّ بجرّ جثته بثقل عبر دهليزٍ ضيِّق في الزقاق.. أطارده بعينيّ ليبتلعه الظلام شيئاً فشيئاً تاركاً ظلاله للعابرين..

أقرأ باقي الموضوع »





اليوم عاد حبيبي..

14 02 2009

55

في هدأة المساء يتوضّأ الصمت بظلال حجرتي، أدحرجه شيئاً فشيئاً صوب القمر.. فأزفّه إليه، وأعود للجسد المستلقي بجانبي، المرمي على بُعد شهقةٍ أو أدنى..

يمتدُّ بصري الشابح نحو التفاصيل الدافئة فأشعرُ بنوعٍ من الطمأنينة والهدوء يدغدغان شعوري، أراقب ذلك الوجه الفاتن المحفور بين أهدابي، ذلك الوجه المفعم بالغواية والعشق للورود.. ذلك الجسد الفاتن الذي لطالما انتظرني بكثيرٍ من الغرائز وقليلٍ من الصبر.. فأجدني في متاهة فخمة ضمن عاصفة ترحل في روحي وتغرس في ضلوعي كلّ بساتين النشوة لأموت تحت ظلال أغصانها وتشربني الطيور نخباً للحياة.

لغة الأنفاس تبعثُ على المكان السكينة والسلام وتعزفُ على أوتار الوقت موسيقى أحلامي.. تنسكبُ الكلمات من شفاهي بهمسٍ معلوم وتتبعثرُ على قارعة الجسد العاري؛ أخبرها بيقيني بهذا الفؤاد المعبّأ بالصيف المستديم.. بهواجسي التي لا يوقنها إلا حضنها الذي يتجاوز بي أسفارَ القلب ويخلعُ عني غبار أحلامي المحبطة.. أصلّي أصلّي.. وأصلّي في محرابها صلاة الشوق.. ودعائي “يطير الحمام يحطّ الحمام” ..

كانت تلك الشفاه تقبّلني البارحة وأنا أجلدُ ذكرياتي مع أخريات بدخان نرجيلتي الرديئة.. آهٍ كم أحبّ ممارسة الغباء.. القسوة.. والحلم..

أقرأ باقي الموضوع »





أنا الواقف تحت الياسمينة..

7 01 2009

خرجتُ في غمرة ليلٍ هزيل تسلّل إلى ستائر نومي الثقيلة فملأها بدخان الكوابيس.. هرب النوم.. وهربت الأحلام.. بدأ الظلام يتسلّل إلى داخلي وبدت مصابيح الشارع هزيلة يبدو وكأن الشتاء يوهنها هي الأخرى أيضاً، عيناي كانتا تتشاجران مع تراب الشارع بكلمات غير مفهومة..

تركت أطفالي في رحم أمهم التي أحبتني يوماً وخرجتُ إلى حيث لا مكان، لا وطن.. ولا حتى أنصاف بشر.. على بُعد شاهق كانت المدينة السمراء النحيلة كغانية مستهلكة تترنّح على أطراف جسدي المكفوف، وبعينين نصف مفتوحتين بتُّ أراقب الغريب الذي عاد، بدا كعجوزٍ من المطر المخفي تسلّل من ثقب في سياج المدينة، توقف عند الياسمينة على ناصية الشارع وأخذ يرمقها بعينيه اللوزيتين وكأنّ لذّة مفترسة انتابته فجأة فأخذ يرتعش تحتها ويتصبّب إنساناً..
أقرأ باقي الموضوع »





مدينة القديسين

18 11 2008

medaad-sad-city

أتحاملُ على نفسي وأجلسُ على طاولة الطعام بمؤخّرتي الثقيلة؛ محبرة جافّة وعدّة وريقات تتناثر على صفحاتها تراتيل لاهوتيّة تتبعثر على طاولتي قرب عشائي الأخير الذي لم أمسّه، كنتُ أروي على تلك الصفحات وهم حكاية بعد كل كابوسٍ مفخّخ كان ينتابني..

هنا في مدينة القديسين “الآلهة كائنات أنانية تحلّق في الجوار بمعاطف حمراء”، تعتاش على هزائمنا وتقتاتُ على ضعفنا.. هزائمنا التي بلا قلب وضعفنا الذي يغنّي نشيد الموت دون أهل يشيعون ولا شموع كنائس تطفأ حداداً على الأموات من أمثالنا.
مدينة صامتة وموحشة حدَّ البكاء، يلفّها فجرٌ حزين يوشي غلاف المدينة بالمزيد من الغموض لتبرز رخام الكنائس بينها ناصعة البياض هادئة وصُلبة كما المقصلة..!!

أقرأ باقي الموضوع »





مازوخيا ومزامير فجائعية (3)

17 10 2008

(المزمور السابع)..

نسيمات هواءٍ شتائي قارس تزحف من ثقوب الجدار، تعوي في عظامي وتتسلّلُ إلى خلايا جسدي فتثقله برقصة غير مكتملة الارتعاش من لهب الاحتضار.. تقلّب دفتر ذكرياتي خيبةً إثر أخرى فتهذي تلك الوريقات بأسماء دفنتها في قاع لحدٍ لم يقدَّر له النجاة.

أمسكُ بذلك الكرّاس بارتعاشة يدي المغلولة إلى عنقي. وكهاربٍ من أجداث الأرض تتجمّل أذنايَ بأصوات الجماجم المرتطمة على مدفن الصفحات؛ وجوهٌ جائعة ترمقني ببلاهة مرتسمة على هامش الأوراق تنفثُ غبار قصص موجعة مكلومة الآه، ما تزال مقيدة بأنحاء جسدي تنخرُ صريراً بتمتماتٍ كسيحة فأردِّدُ تعويذتي العتيقة بصمت.

تبتلّ أصابع قدمي بدمعٍ يتساقط بثقة، وتسيل نظراتي مع كلّ فقرة أتجاوزها خوفاً من ملامح مختنقة دفنت بجواري. وعند مفرق الأحداث أسحبُ خيطاً مهترئاً لينثر لي آخر صفحة توقف فيها دمي دقيقة صمتٍ عن اقتراف نفسهِ ونَفَسه.. أووه كان ذلك من زمنٍ بعيد.. بعيدٍ جداً.. بل أكثر بُعداً من أي شيء آخر..

(المزمور الثامن)..

أتذكّرُ ذلك اليوم الأخير قبلَ توغّلي في خفايا الموتِ طريداً؛ حين التهمتني السماء عصفوراً بُحَّ غناؤه، أتذكر أن السماء أيضاً كان لها لونٌ مختلف، وطعمٌ مختلف، ولم تكن خيوطها تفضح وجعي المتشتت صوب كلّ ناحية. لم يكن هناك فراغٌ هلامي مقفر يستوطن أزقة رأسي وشقوق أيامي. ولم تكن التعاسة تودع عندي سياطها كلّما عصف بأزقة ذكراتي صرير ريحٌ عاهر الضجيج يقتلع أوتاد صبري بفجاجة ويبعثر بقايا الإنسان في داخلي.

أقرأ باقي الموضوع »





حكايا 02

22 06 2008

تلك الأنثى الصاهلة بعمق روحه مُنحنياتٌ مُشبعة الجمال، تلك المتدثّرة بخاصرته صافيةٌ كغدير.. نقيةٌ بعمق فنجان قهوة.. يألفها لوزي العينين ويهبها عشقٌ مغموسٌ بوتر.

تلك الرائعة تُتقن شروق الشمس.. وضجيج الغروب؛ بل تكاد تحوّله إلى فُتاتٍ مطحون بكفِّ يدها.. ثم ترتشفه بشفاهٍ عاشقة لرائحة الثغر في كوبٍ معتّق البن وقطعة سكّر بطعم أنثى..

تلك الفاتنة تلثمُ أصابع شوقها احتضاناً لرائحته في أزقة الجسد.. بعد أن سفكَ خجلها وتسكّع على منحنياتها ذا رقادٍ.. كفارسٍ فينيقي التفّ على جيد أنثى هائمة في غواية الجسد..

تلك البارعة..

.. أقرأ باقي الموضوع »





مازوخيا ومزامير فجائعية (2)..

19 05 2008

(المزمور الرابع..)

الساعة تدقُّ الثالثة بعد منتصف الخيبة بطرقاتٍ تنخر ثقوب رأسي، أرديها بمقدَمِ هامتي.. طرقاً.. طرقاً.. طرقاً.. فأخرجُ ما تبقّى مِن رأسي وأتخلصُ من قدرِ شؤمٍ آخر. يشقُّ اللونُ المعلومُ شاهدَ شتاتي فينسَابُ على أخاديد قناعي المتشقِّقِ المليء بالبثور كمستنقعٍ ضَحِل، ويرتفعُ عدد السَّاقطين من ناصيتي لِيتجاوزَ البابَ المهشّم مِن الخلف عُبوراً يَنزفني مُنذ حقبة الإنكسارِ الأولى. وَيتوالى نزفُ جُمجمتي من مَاء الحُرقة ذَا وجعٍ مُوشومٍ في وَتر الذّاكرة. أحصرُ نفسي في تابوتٍ يضيقُ بي، أحشو الوَجَع في رَأسي.. رُكاماً.. رُكاماً.. أنثرُ الملح جُرحاً يُعرِّش عَلى خَاصرتي وَيتسلّق كتفي الأيمن كطاعونٍ يَنتابني ذَا عُريٌّ مَغصوبٍ على ارتجاجِ النّصل بوحشية.

مبتورِ الأمل أنحو تِجاه المِرآة.. أركلُ تعثَّري بالأرضية المُبتلّة بالأحمرِ القاني، (تباً وهلْ بدأوا بصُنع الأكفان بلونٍ أحمرْ؟!!) وَعَلى وقع أوركسترا أطرافي المَقطوعة منذُ سبعٍ وعشرين شهر شتاءٍ مَضت أركعُ أمامَ كينونتي؛ أتذوّق ظِلّي السّكير وَأرمقُ أقرأ باقي الموضوع »





مازوخيا.. ومزامير فجائعية (1)

30 03 2008

mazochia

(المزمور الأول..)

على بُعد موتين أو أدنى أرتّل آخر التعاويذ الفجائعية في مساءٍ ماكر، وما زلتُ جاثياً على رمق الموت في مرمى الزّناد متأبطاً جُبناً لا يجرؤ على إصدار ذلك الهزيع الأخير من الصوت، ولا شيء يحتويني سوى مزمورٌ فجائعي أخير لرجل يتقنُ الحزن ويتلذّذ بمازوخية هستيرية وهو ينكأ جروح الأمكنة المتعفّنة المتكاثرة على نتوءات جسده، كمرضٍ مستعصٍ يكيل له صاحب الوجه الممهور بالتعاسة مديحاً مع آخر ترتيلة لآخر مزمور يبثه كفحيح أفعى مجلجلة..

أنظرُ حولي ويتسيّد الصمت الموقف، أراقب أوهامي المنزلقة على جُدران غرفتي الرمادية، تلك التي دفنتُ فيها العديد من الأسماء الطينية، مُحافظاً على (السيد الصمت) حتى لا أصيبه بارتعاشة اليقظة. أتحرّك بهدوء بين قطعي المتناثرة في أرجاء الغرفة.. قدمي.. ساقي.. عيني.. كبدي.. كف يدي اليسرى.. أصابع يدي اليمنى.. وهذه الأخيرة ما زالت تمسك بالقلم لسبب أحاول أن أتجاهله. ضوء ثقيل يخرج من شق في جدار الألم خاصتي.. يقضّ مضجعي ويصيبني بالعمى المؤقت.. أشتم حظّي وأيامي.. وسنيني.. وكل شيء يتحرك ولا يتحرك.. أنتزع وجهي وأدقّه بمسامير على الحائط ثم أبصق عليه مراراً ومراراً ومراراً..

أقرأ باقي الموضوع »





هنادي..

3 03 2008

(في ميلاد الشمس.. أغانٍ.. وتراتيل..)329image.jpg

بُعيد منتصف الغروب.. على شاطئ الحلم.. أنصتُ تَرنيمة الأمواج مِن صَدَفةٍ.. تتراقصُ على إيقاعٍ شرقيِّ..

تنسحبُ خُيوط الشمس خجلةًَ.. وترقدُ خلف حُمرة الأفق.. صدى السنين ينقش على القمرِ لحناً طفولياً قدسيّ الرّنين..

وهناك.. على سفح تلك التلّة.. وفي بيتٍ يعانق السماء.. توقّدت..

شمعةٌ..

معلنةً ميلاد (الحُلم)..

..

..

يَسطعُ الضّوء.. يتأرجح ويُرفرف كالفراشات الحالمة.. يتحرَّك ويذوب.. ينعكسُ على المرايا في وتر الليمون..

تتدفَّقُ الرُّوح خارجةً.. على جُنح القّناديل.. فتروي ظمأ الندى المُشبع بالصفاء..

وبأبجديةٍ مختلفةٍ.. صهلتْ الشمس في سُهُوب القلوب.. وبجناحين من طُهرٍ.. أقبلت.. كزهرة آسٍ في ليلٍ قمريّ..

انكسر الليل وتساقطَ الظلام منساباً كظلِّ امرأة.. حافية الروح خَطَتْ.. تُسابق قوافل الأمواج.. تَرحلُ بضياءها نحو شواطئ البنفسج.. يتَّحد ضوءَها مع الليالي الصيفية الهادئة.. فتنفثُ حنيناً للتراب.. والشجرِ.. والفلّ والياسمين.. وحقول الزيتون..

ترقصُ فوقَ القمر تارةً.. وأخرى فوقَ النجوم.. وتردِّد الكينونة أغنية الفرح.. بلغةٍ سماويةٍ..

وتغنِّي البلابل على شُرفاتِ العذارى.. ورياحين المُهج الزرقاء.. وتُرفرف.. بأهدابِ الليل وأطرافِ الغروب.. وفي صفحات الحكايا.. وعندما تجتاز الصورة المخيلة.. تبقى الذَّاكرة في مصبِّ الحكاية.. وتروي شهرزاد بشغفٍ.. قصَّة ذلك المساء.. منذ ألف ليلة وليلة.. إلى نيفٍ وعشرين سنة..

* * * أقرأ باقي الموضوع »