الرئيسية > صيد الشبكة > آه منا معشر الحمير (نيسينيات -01)

آه منا معشر الحمير (نيسينيات -01)

مايو 27, 2007 أضف تعليق Go to comments

آه منا معشر الحمير

يحكى أننا نحن الحمير كنا في قديم الزمان نتحدث بلغة كالتي تتحدثون بها أنتم البشر، كانت لنا لغة خاصة بنا.

ويحكى أننا لم نكن ننهق في قديم الزمان كما نحن عليه الآن، وتعلمون أننا الآن نعبر عن رغباتنا وأحاسيسنا، ومشاعرنا، وأفراحنا، وأتراحنا فيما بيننا بواسطة النهيق!

النهيق هو إصدار صوت مؤلف من حرفين بشكل متكرر: (هاق.. هاق) هذا هو النهيق..

تقلصت لغتنا الغنية تلك، وتقلصت إلى أن صارت كلمة واحدة مؤلفة من حرفين. يعود ربط ألسنتنا نحن الحمير إلى حادثة قديمة جداً.. يحكى أن هنالك حماراً عجوزاً من الجيل القديم، في يوم من تلك الأيام كان يرعى هذا الحمار العجوز في البراري وحده، وكان يغني الأغنيات الحميرية في أثناء الرعي، في لحظة من تلك اللحظات تناهت إلى أنفه رائحة..

إنها رائحة ليست طيبة، إنها رائحة ذئب.

رفع الحمار ابن الجيل القديم أنفه إلى الأعلى، وبدأ يستنشق بعمق، الجو يحمل رائحة ذئب حادة.. سلّى الحمار العجوز نفسه بقوله :

– لا يا روحي، إنه ليس ذنباً..

وتابع الرعي..

ولكن رائحة الذئب تزداد بالتدريج.. أما الحمار العجوز فهو خائف من جهة، ومتظاهر باللامبالاة من جهة أخرى، ويقول لنفسه :

– ليس ذئباً.. لماذا سيأتي الذئب إلى هنا؟ ولم سيلقاني؟ بينما كان يسلّي نفسه هكذا، فجأة تناهى إلى أذنيه صوت..

ليس صوتاً عذباً، إنه صوت ذئب..

شنف الحمار العجوز أذنيه رافعاً إياهما إلى أعلى… نعم إنه صوت ذئب، ولأنه غير راض بمجيء الذئب، تابع قضم العشب وهو يقول :

– لا يا روحي.. هذا الصوت ليس صوت ذئب… يتهيأ لي…

أقترب كثيراً جداً ذلك الصوت المخيف، والحمار يقول لنفسه :

– لا، لا… أتمنى ألا يكون ذئباً… أما عند الذئب عمل آخر ليأتي إلى هنا؟!

من ناحية أخرى سيطر الرعب على قلبه، وبدأ يتلفت فيما حوله..

نظر.. وإذا بذئب يظهر بين الضباب والدخان على قمة الجبل المقابل.. فقال :

– هـا ا ا، ما أراه ليس ذئباً لا بد أنه شيء آخر.

أزداد خوفه عندما رأى الذئب يعدو خلف الأشجار. ولكن لأنه غير راغب في مجيء الذئب، خدع نفسه قائلاً :

– ليس ذئباً، إن شاء الله لا يكون ذئباً.. أما بقي له مكان آخر ليجد هذا المكان ويأتي إلى هنا؟ لم تعد عيناي سليمتين، لهذا فإنني ظننت أن خيال الأشجار ذئب.

أقترب الذئب أكثر، عندما صارت المسافة بينهما خمسين خطوة حميرية، سلّى نفسه قائلاً:

– جعل الله بمشيئته هذا المخلوق الذي أراه أمامي ليس ذئباً…لم سيكون ذئباً يا روحي .. لعله جمل أو فيل، ولعله شيء آخر.. ويمكن ألا يكون شيئاً البتة.

أقترب الذئب مكشراً عن أنيابه، وعندما بقي بينهما عدة خطوات، قال الحمار العجوز :

– أنا أعرف أن هذا القادم ليس ذئباً، نعم أنه ليس ذئباً، ولكن ليس سيئاً أن أبتعد عن هذا المكان قليلاً..

بدأ المسير.. نظر خلفه فوجد أن الذئب يتبعه مكشراً عن أنيابه، مسيلاً لعابه.

بدأ الحمار أبن الجيل القديم بالدعاء والتوسل لربه :

– يا ربي أجعل هذا الذي يتبعني ليس ذئباً حتى ولو كان كذلك.. إنه ليس ذئباً يا روحي، وكل خوفي لا معنى له..؟!

بدأ الحمار العجوز يعدو، وركض الذئب خلفه. ركض الحمار بكل ما تقوى عليه قوائمه، وهو يقول في داخله : – إنه ليس ذئباً حتى لو كان كذلك… اللهم لا تجعله ذئباً… لم سيكون ذئباً يا روحي؟

هرب الحمار وتبعه الذئب. عندما شعر الحمار بأنفاس الذئب الساخنة تحت ذيله، قال لنفسه :

– أنا أراهن إن هذا ليس ذئباً… لا يمكن أن يكون المخلوق الذي أشعر بأنفاسه تحت ذيلي ذئباً… عندما لامس فم الذئب الرطب ما بين فخذي الحمار، أصاب الحمار الهلع تماماً… ألتفت، نظر خلفه، فوجد الذئب يهم بالقفز عليه.. تجمد الحمار تحت تأثير نظرات الذئب الحادة فما عاد يستطيع أن يخطو خطوة واحدة، فأغمض عينيه كي لا يرى الذئب، وبدأ يهذي بالقول :

– إنه ليس ذئباً يا روحي… إنه ليس ذئباً بمشيئة الله… لم سيكون ذئباً؟ عض الذئب الشرس الجائع بأنيابه الحادة الحمار من فخذه، وقضم قطعة كبيرة… أرتبط لسان الحمار وهو يهوي على الأرض ألماً… ومن خوفه نسي اللغة الحميرية. نهشه الذئب من رقبته وصدره وبدأ ينفر الدم من جميع أطراف الحمار، وعندئذ بدأ يصرخ :

– هـاا.. إنه ذئب هـااا، هو .. هـااا… هو وووو.

الذئب يمزقه، وهو بسبب ارتباط لسانه لا يصرخ إلا :

– هـاااا… هووووو.. هـا… ااا، هـااااق

سمعت الحمير كلها صراخ الحمار من الجيل القديم بآخر كلماته. حيث كانت تردد أصداءها صخور الجبال، وهو يتمزق بين أنياب الذئب :

– هـااااق، هـاااق، هـااااااق….

وهكذا يقال إننا نحن الحمير نسينا المخاطبة والمحادثة منذ ذلك اليوم، وبدأنا نعبر عن أفكارنا بواسطة النهيق… ولو لم يخدع نفسه ذلك الحمار أبن الجيل القديم حتى وصل الخطر إلى تحت ذيله، كنا سنبقى على معرفة بالكلام….!!!!؟؟؟

آه منا نحن الحمير…. آه منا نحن الحمير…. هـاااق… هـاااق…. هـاق

(كتبها: عزيز نيسين)

Advertisements
التصنيفات :صيد الشبكة
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: