الرئيسية > صيد الشبكة > من يأكل الحصرم ومن يضرس؟ (نيسينيات – 04)

من يأكل الحصرم ومن يضرس؟ (نيسينيات – 04)

يونيو 5, 2007 أضف تعليق Go to comments

مرّ بجميع مكاتب التشغيل بلا استثناء، والرد الوحيد دائماً (دع عنوانك وسنخبرك عند اللزوم). عند عودته إلى البيت، وفي كل مرة كانت زوجته تقابله بسؤالها المعهود والممل: هل وجدت عملاً؟ ولكن، في هذه الأيام، أن تجد نقوداً في الطرقات أهون من أن تجد عملاً. وكثيراً ما كانت زوجته ترخي العنان لقنابلها الثقيلة:

– لم أر رجلاً مهملاً وأحمق، وعديم الثقة بنفسه مثلك.

– وعدني أحد الأصدقاء بأن يساعدني غداً.

– وبماذا سيساعدك؟ هاه!

– لإيجاد عمل يا حياتي.

لقد خلقت الزوجة من هذا الرجل الملاك أكبر كذاب.

– وأي عمل هذا؟

– عمل رائع، وعال العال.

– فهمنا، ولكن ما العمل؟

– العمل يقوم به المرء بقدميه وهو جالس في مكانه!

– وأيّ عمل هذا الذي تتفصح به؟!

– نعم.. العمل على مكنة الخياطة.

– وكم سيدفع لك؟

– ثلاث مائة ليرة.

استفساراتهم وحديثهم السفسطائي والخالي من الطعم كثيراً ما كان يستمر لساعات طويلة.

في اليوم التالي سألته زوجته:

هل بدأت العمل؟

– ذهبت .. ولكن لسوء الحظ فقد توفيت زوجته، الله يرحمها… وتأجل الموعد إلى يوم الأربعاء.

الأربعاء.. الخميس.. وتتتالى الألاعيب والأكاذيب لا تنتهي.

وذات يوم طفح الكيل، كما يقولون، فهددته زوجته:

– تعلمت على الكسل، لذلك إن لم تجد عملاً، فوالله العظيم لن أدخلك هذا البيت.

في ذات اليوم وضع عنوانه في أربعة خمسة مكاتب. وفي المساء عاد إلى المنزل فراح يطرق الباب بطرقات سريعة صائحاً بأعلى صوته..

– البشارة … البشارة يا زوجتي؟ تهانينا، وجدت عملاً وبدأت به مباشرةً.

فتحت الزوجة الباب سعيدةً بزوجها وهو بدوره راح يحدثها عن هذا العمل بل أخذ يجمله بنظرها لدرجة بات يصدق ما يقول:

– هيا يا عزيزي نم باكراً، كي لا تتأخر صباح الغد.

وفي الصباح شيعت الزوجة بعلها متمنية له الخير والنجاح، أما هو فقد أخذ يتسكع باحثاً عن عمل في الشوارع والحدائق. وعند المساء عاد إلى البيت وراح يصرخ ويهدد مثل كل الرجال. استمرت هذه الحياة المليئة بالأمل لمدة خمسة وعشرين يوماً. ولكن المسكين راح يضطرب أكثر فأكثر مع دنو موعد قبض الراتب.

كان قد أبلغ زوجته بأنه سيقبض ثلاثمائة ليرة لذلك كانت تخطط في سبل صرف المبلغ المحترم.

قال لها:

– خذي الأولاد، واذهبي إلى أمك، وفي أول الشهر تعودين!

حملت المسكينة أولادها ميممة شطر أمها دون أن تنبس ببنت شفة.

أما الرجل النشيط فقد اتخذ قراره في السرقة، عاين الشقة التي سيدخلها.

في الليلة الأخيرة من الشهر.. أخذ يتجول حول البناء المذكور، لحظات وانطفأت الأنوار في الشقة المستهدفة، وفي الطابق الثاني كانت الأسرة صاحبة الشقة معتادة على الخروج من المنزل في مثل هذا الوقت، إما إلى السينما أو للسهر عند الجوار.

خطة رائعة، وحظ أروع، إذ كان يستطيع الدخول دون وجل، دار خلف البناء، لم يكن هناك من أحد، تسلق جدار الحديقة المنخفض ، تمسك بحديد النافذة السفلية. ثم تسلق ماسورة المياه، وبهذا الشكل لم يكن الصعود إلى الشرفة صعباً. ما هذا القدر حتى باب الشرفة كان مفتوحاً! دخل الشقة بجرأة وكأنه مالكها، أنارها! مسح أغراضها بعينيه مستطلعاً الموجودات، لم تكن الشقة تحوي أغراضاً غير صالحة للسرقة، ففي البوفيه وداخل العلب المذهبة كانت الفناجين النفيسة. وكانت الخزائن مليئة بالملابس الفاخرة. مدّ يده مباشرة إلى جيب الجاكيت وسحب حقيبة النقود المنتفخة والمليئة، وتجمدت عيناه عندما وجدها مليئة برزم من ذات الخمسين والمئة، لذلك لم يكن بحاجة للاستمرار باحثاً في غرفة النوم. سحب ثلاثمائة ليرة فقط وجلس إلى الطاولة كاتباً:

(سيدي العزيز:

دخلت شقتكم بقصد السرقة، كنت بأمس الحاجة إلى ثلاثمائة ليرة، صدقاً سأعيد المبلغ حال توفره لدي).

وضع القصاصة وخرج من الشقة بسهولة مثلما دخلها، وبذلك سيتخلص من لسان زوجته شهراً وسينام مرتاحاً لأول مرة منذ فترة طويلة.

إقترب من منزله فوجد الضوء مناراً، استغرب كثيراً فزوجته في بيت أهلها، ربما عادت! حسناً سيلقي المبلغ في وجهها ويصرخ كي يثبت رجولته. فتح الباب فجأة أشهر في وجهه المسدس:

– إرفع يديك!!!

بينما اقترب منه شخص آخر قائلاً:

– ولك ! أي إنسان أنت؟ أما فكرت أن لصاً سيدخل بيتك يوماً ما! نحن هنا منذ ساعتين ولم نعثر على شيء ألا تخجل!!!

فتشوه فوجدوا المبلغ في جيبه أخذوه وانصرفوا.

أشرقت الشمس والرجل يفكر بالأكاذيب التي يمكن أن تنطلي على زوجته، طرق الباب، قد يكون الطارق زوجته، فتح الباب وفرائصه ترتعد رعباً، لكن المفاجأة كانت كبيرة إذ برجلي شرطة ممسكين باللصين! إلتمعت عيناه من الفرح… سأله الشرطي:

– النقود لك؟

شيء ما تحرق في جوفه، كيف لا وهو السارق أيضاً.

– إن هذين الأحمقين إعترفا أنهما دخلا منزلك وأخذا النقود بالقوة.

إذاً هذه النقود أصبحت من نصيبه ونصيب زوجته.

– ولكن من أين حصلت على هذه النقود؟

صعق الرجل وتغيرت سحنته من هول ما سمع.

… إذاً عرفوا أنه سارق أيضاً.

– إن النقود التي بحوزتك مزيفة يا أفندي.

تهاوى الرجل في مكانه إثر قول الشرطي.

طلب منه الشرطي أن يرافقهم إلى المخفر.

***

Advertisements
التصنيفات :صيد الشبكة
  1. لا توجد تعليقات حتى الأن.
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: