الرئيسية > صيد الشبكة > الحب على الطريقة السورية..

الحب على الطريقة السورية..

أكتوبر 22, 2007 أضف تعليق Go to comments

هُناك في مدينة (لاواديسيا) ولدتُ على الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط. أذكر أن قامتي كانت طويلة بحيث كنتُ قادرةً على الوصول إلى المدن القريبة في دقائق، ناظرةً الى البيوت في الأسفل بحب وامتنان. وعندما كنتُ أريد أن أتجوّل في الأزقة كنت أفعلُ ذلك بلمح البصر وبخفّة؛ حتى أنني كنتُ أجد مُتعةً في الاستلقاء في الحمامات تاركةً جسدي المرن بين أيدي رومانية لتدلكه.. ما أحلى دِعة العيش على هذا المنوال! لا اعتبارات تفرض نفسها عليّ ولا شعور بالذنب..

كنتُ أهيمُ في جنّة سورية من صنعي ومن صنع الله، هكذا كانت روحي عصيّة على القياس بينما الكواكب كُرات تتقاذفها يدايَ لهواً..

أما هو فقد وُلد معي في نفس المكان وفي نفس الزمان، و لقد اُعطينا الفرصة الكاملة معاً لنُعاين كيف يكون الحب أيضاً على شكلنا و مثالنا، سوريّاً عتيقاً نابضاً بالروح، ومنفلتاً هو الآخر من الاعتبارات، اللهم ما يحفظ نقاءه ووجوده؛ الكرامة المشتركة، التبادل الكامل، ومسامحة الهفوات الصغيرة التي تطفو على سطح قلوبنا كلّما استبدّت بنا تلك الهموم اليومية الصغيرة التي تنقر على شبابيك الروح !

كان هو يقدم نذوره إلى (إيل) إله القوامة الطبيعية، بينما كنت أُقدم نذوري إلى (عناة) آلهة خصوبتي، لكنه كان الحب السوري القديم العريق بكلّ ما فيه من روائح الصوامع والبيادر التي يُوشك الفلاحون على حصدها، حُب لا يستطيع كهّان المعابد أن يقضوا عليه بالفتوّة القاضية كما هو الحال اليوم.

لقد التقينا مراراً في غُرفنا الصغيرة عندما كنا نُترَك للّهو صغاراً، ثم عبر أزقة المدينة اللاهية، ثم في حقولها النائية بين سنابل القمح غير الناضجة، ثم في متاجر والِدَينا بين أقمشة البروكار والعطارة والزيوت المقطّرة وأخيراً في غرفتنا المشتركة، غُرفة الحب والأنفاس المقطوعة..

هو الآخر كان سورياًّ عتيقاً يركن سيفه في الزوايا ويغتسل بعد كل معركة ليطفح على وجهه ضوء الأيام الغابرة حين كان ضجيج العربات ذات العجلتين يَطغى على همسنا الذي تحميه شمعة مشتعلة على وشك الذوبان!

عالمٌ بهيٌّ رَحبٌ لم يلوّثه بعد التقدم في السن.. سنّ البلد التي أخذت أطرافها تتآكل كلّما مرّت عليها الأحقاب !

لقد ساهمتُ أنا وهو في خلق هذه الجنّة القديمة، عملنا معاً، حاربنا معاً، رَقصنا معاً وذرفنا الدموع معاً! وأنجبنا أطفالاً كان ينام في أحلام بعضهم رغبة القيادة وإدارة شؤون هذه الحضارة الخضراء. مَن كان يمنعهم من الحلم!؟ لا أحد! لا دين، و لا انتماء، و لا شبهة ليست موجودة. كانوا أحراراً.. سامحةً لهم العناية أن يختاروا أن يصبحوا مواطنين من الطراز الرفيع لمجرّد أنهم وُلدوا فوق أرضها.

حين تُولد في بلد وتحمل بصماته فوق وجهك، و مع ذلك لا تستطيع أن تحلم مجرد حلم في قيادته فأنت لا تنتمي إليه عملياً لأن شُعلة الانتماء تكون شبه مطفئة! إنك هناك تقف على بابه كغريب ولا تدخل، تتعلّق بحافلة منطلقة لعلّك تصل مع الركب كله! بوّاب على عمارة بلدك أو جنائني في حدائقها أو ربما ساعي بريد أو حتى حلاّق لذقون أخرى جعلتها ظروفها أكثر انتماءاً منك.

و مع ذلك، كان الانتماء يقاوم الغبن، والشعور بالحب يسمو فوق التسميات، و كنت أنظف سيفه السوري البرونزي الثقيل المركون في زاوية غرفتنا بالليمون و الزيت، وأغسل القمصان التي لطختها دماء المعارك الطويلة، معارك الدفاع عن هذه الأرض المباركة.

لقد كنتًُ متيقنةً ان الحمأة الوطنية التي نشعرها أنا وهو أقوى من طموح بلوغ كرسي السلطة الكنعاني العالي. لقد كنا نخاف على حقولنا و البيادر، على كروم العنب وخوابي الزيت ومخزون البلد من القمح. كنا نخاف على مدارس أطفالنا، التي نُصبت في حقول الهواء الطلق، نخاف عليها من تلوث الكتب، ومن رياح التصنيف، ومن نزعة التحليل المضحكة، و من تسييس الكلمات! نخافُ على براميل العطر والمسك وأكياس التوابل المهيأة للرحيل على ظهور الحمير والخيول باتجاه طريق الحرير. كنا نخاف على دروب البلد الترابية القليلة من نسمات تحسين تطيح بألواح الطين المسمارية وبقايا الرومانسية فيها.

ما هو الوطن إذا لم يكن هذا الإحساس الدفين بالخوف عليه؟ و ما هو الحب إن لم يكن خطّ رؤيتنا المشترك، أنا وهو، حين يجتاز السهول الخضراء باتجاه الشفق! رؤية المستقبل السوري البعيد، المتنامي مع حبة قمح خارجة من جُحرها.

و في المساء حين نستكين في غرفتنا الوحيدة على ضوء شمعة صغيرة، كنا نعيد حساباتنا القليلة، كمحاسبين في دكان، بينما تتصاعد أنفاس الصغار النائمين بكل أمان الدنيا.

عالمٌ بهيٌّ، لم تلوثه بعد الحمأة المزيفة المتراقصة على أغاني وطنية معاصرة ترعاها سوني ومهندسو الصوت والموزعون الموسيقيون !

لقد كانت كلمات الحب في الماضي هي التي تحيك رداء الوطن بتؤدة ورويّة، أما اليوم فالباعة هم الذين يديرون نوايانا والأحلام! جُنون نطلق عليه اليوم اسم (اقتصاد)!

وهكذا أصبح عليَّ أن أنظف سيوف المعارك لا بالزيت و الليمون وإنما من بقايا تحويل النفط ومخلفاته إلى منتجات أنيقة مصنّعة تعمر بها الرفوف.

إننا نتقدم! هذا ما أقنعنا أنفسنا به! و هذا ما نبزّ به العالم حولنا اليوم، العالم الذي يتطلّع إلينا بعين المتشفّي الحاقد

! كلاديس مطر

على الهامش: كلاديس.. أيتها الرائعة.. تحية لك أيتها الصديقة العزيزة/ الجديدة..

دمتِ متألقة..

Advertisements
التصنيفات :صيد الشبكة
  1. ديانا الرجوب
    أكتوبر 26, 2007 عند 2:29 ص

    جعلتيني أحس أنني عدت إلى مدينتي الجميلة و أنا في غربتي. شكرا لك.

  2. medaad
    أكتوبر 26, 2007 عند 10:03 م

    ديانا..
    باقة ورد عطرة كإياك.. لنثرك جميل رد على الأديبة..

    في خضم أيامنا التي تتساقط من عنق زجاجة الوقت.. نمارس غربتنا.. باضطراد ودهشة.. وحلم الوطن يداعب زوايا الذاكرة كل حين..

    دمتِ بود..

  3. ادونيس
    أكتوبر 27, 2007 عند 4:05 م

    سنبلةمكتنزة,خمرةمعتقةفي خوابي عشتار,أريج تستنشقه المسامات,تعومين في فضاءات الروح كطيور الشوك…أنحني لك سيدتي…

  4. rorspirit
    أكتوبر 29, 2007 عند 12:40 ص

    لم أعد أستطع الوقوف….
    انهرت حقا …
    كنت انتظر أن أعود إلى أحضان أيل و أرتشف الخمرة من جرار عشتار
    ولكن كل ما حولنا قد أمات فينا روح المعابد المقدسة وصرنا فقط نصلي للذهب الأسو د و الأصفر و بعض من فتات الحضارة المزيفة
    أحن إلى سوريا الآلهة
    أحن إلى بابل …
    إلى تراب سهول فلسطين
    و ذرا حرمون
    أحن إلى ضوء عينيك …

  5. نــور
    نوفمبر 1, 2007 عند 1:38 ص

    انا هنا لأطالب بـ فنجان قهوتي ,
    و حصـتي من هواء الوطن الذي ضللت الطريق اليه ..

  6. medaad
    نوفمبر 2, 2007 عند 11:31 م

    نــــــــــــــــور..
    فنجان قهوتكِ.. هذه المرة..
    حلوٌ.. بسكر ذائب.. كإياكِ..

    بكل ود..

  7. كلاديس مطر
    نوفمبر 4, 2007 عند 11:26 م

    الف شكر لكل من مر على هذا النص و ترك كلماته اللطيفة

  8. medaad
    نوفمبر 13, 2007 عند 11:36 م

    كلاديس.. بارعة الحرف.. ممشوقه..
    لكِ مني ودّ لا يطال علياء حرفك لمرورٍ أسبل عبقاً من شاطئ موج.. فأضفى على مدوّنتي بهاءً يتقاطرُ من بهاء صاحبته..

    نايثن

  9. الذكراوى
    سبتمبر 9, 2008 عند 10:58 م

    كريمان التانيه ؟ عسل يا براديس الحب

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: