الرئيسية > فوق مستوى الضجيج > 360 درجة من الديمقراطية..

360 درجة من الديمقراطية..

يناير 4, 2008 أضف تعليق Go to comments

في بلاد سمتها التعددية العرقية واختلاف الثقافات الذائبة في بوتقة الدولة الواحدة – استراليا – نعيش فيها حالة من الديمقراطية المصحوبة بزهوٍّ وترفّع كأسمى ما وصل إليه نتاج العقل البشري منذ أن سطر أبو الديمقراطية (روسو) إنجيلنا الحديث الممهور بـ(العقد الاجتماع) والذي سار عليه قادة الثورة الفرنسية آخذين بأيدينا إلى أول درجة من سلّم العصر الحديث، والذي ندين له – روسو – بحالة الحريات الفردية المقدسة ومتلازمة الديمقراطية..

وننطلق في تطبيق هذه الديمقراطية – بشرطها وشروطها المختلفة – بدءاً من مطبخ البيت انتهاءاً بأروقة البرلمان.. بل وحتى نسعى لتطبيقها على الآخرين!!

هذه الديمقراطية التي أصبحت سمة بارزة من سمات مجتمعنا – المجتمع الغربي – منذ أن رفع شعار كسر الحلف غير المقدس بين الكنيسة وتاج الملك ليمتد إلى حناجر الثوّار: (اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر القساوسة) فنبدأ مرحلة جديدة من تحطيم كل ما هو مقدّس تحت شعار (الديمقراطية) ولا نعود نعترف إلا بالواقعية، فنعطي الحرية الفردية حدوداً لا طائل لها، ونعيش في حالة من الفوضى الخلاّقة مبررين بذلك نقاط الضعف التي تعتري هذه الديمقراطية بدءاً من الفساد الأخلاقي وتقديس النزعة الفردية المطلقة وتقديم المصالح الشخصية على مصالح الجماعة انتهاءً بتطبيق هذه الديمقراطية عنوةً على ثقافات ومجتمعات أخرى..

لقد أصبحنا نغالي بل نغوص عميقاً جداً في (ديمقراطيتنا) حتى نكاد نغرق في مستنقع هذا المفهوم الذي أضحى مؤخراً مفهوماً هلامياً.. حمّالاً لأوجه.. زئبقياً يأخذ دائماً شكل الوعاء الذي نصنعه لأجله.

ولأننا شعبٌ متقدم.. تقنياً.. حضارياً.. ثقافياً.. فإننا نرفض مفاهيم الميتافيزيقا الخيالية ولا نؤمن إلا بالواقعية الحديثة فإن المفاهيم الرياضية هي بمثابة المسلّمات بعيداً عن غيبيات الكتب المقدسة وروحانيات القساوسة.

بهذا المفهوم الرياضي البحتّ نستطيع أن نقول أن الدرجة 360 هي نفسها الدرجة صفر في المعادلات الرياضية، وديمقراطيتنا المزعومة قد تجاوزت الدرجة 180 والتي تمثل الشكل الأمثل لها لتغوص من جديد وتكمل دورتها والتي أشد ما أخاف أن تصل إلى الدرجة 360 والتي هي الدرجة صفر.

إن الديمقراطية التي تضمن حرية الفرد والمجتمع وحرية الآخر كآخر – سواءً محلياً أو على الصعيد العالمي- وحقه في تقرير مصيره بنفسه ونظام حكمه وطريقة معيشته، ونحن انطلاقاً من التطبيق غير السوي لهذه الديمقراطية لا نرى هذا الآخر إلا إرهابياً وغير عقلانيّ بل وحتى مستلباً وبربرياً معانداً للقيم الإنسانية، هذه القيم التي تختلف في جزئياتها من شعب لآخر ومن حضارة لأخرى، مستندين على العنف التاريخي الذي جمعنا مع هذا الآخر يوماً ما دون أدنى تفكير بإستقطاع هذا العنف من سياقه التاريخي وأحداثه المحيطة به ومسؤوليتنا نحن أمامه ودورنا فيه كطرف.

كل ذلك أدّى إلى سعينا لتحييد هذا الآخر بوصفه كائناً قابعاً على هامش التاريخ من خلال فرض نظرتنا للديمقراطية عليه وجرّه – ولو بالقوّة – إلى قبول هذه النظرة الأحادية الطرف والتفكير عوضاً عنهم في بناء دولهم ومجتمعاتهم وفقاً لمتطلباتنا الشخصية ومصالحنا الشخصية، وما يحدث في العراق وأفغانستان وتيمور الشرقية هي أمثلة صارخة لما نحن فيه.

في نقطة الخلاف الديمقراطي هذه بالذّات تتجلى الفاصلة بين المتباينة بين الثقافات والأمم والتي كتب عليها العيش في نطاق لا يزال يضيق باستمرار نظراً لسعينا الدؤوب لنسخ ديمقراطيتنا وتصديرها للآخر، متناسين أننا نكون بذلك قد سلبنا الآخر حقه في التعبير عن ذاته بذاته وأفقدنا بذلك التراث الإنساني تنوعه وتمازجه المتميز ليصبح الطريق باتجاه واحد فقط ودون عودة، مع غض الطرف بطبيعة الحال عن سيادة الدول والخسائر البشرية والمادية في حروب جانبية نناقض فيها أنفسنا في مفهوم (الديمقراطية).

أوَلم يكن من الأفضل العمل على تحديث بلاد ما وراء البحار ورفع سويتهم العلمية والحضارية بدلاً من نعتهم بـ(بلاد العالم الثالث) باستمرار كنوعٍ من الانتقاص والإرسال إلى نهاية الصف ثم الدخول في صراع معهم وتلبيسهم ديمقراطية لا تناسب قياسهم، أوَلسنا ندّعي العقلانية كما يقول إيان روكسبور: (إن تحديث المجتمع من شأنه أن يؤدي إلى اختفاء الحروب، ونظراً لأن الحرب أسلوب غير معقول لحل النزاعات فإن تزايد عقلانية المجتمع من شأنه أن يجعل من الحرب نهجاً عفا عليه الزمن). فما بال جيوشنا منتشرة في الشرق والشرق الأقصى تسعى لتطبيق هذه الديمقراطية بمفهوم الحرب!!؟

فلنعترف في النهاية.. أنه في أحيانٍ كثيرة لا يوجد تلازم بين صحة الفكرة وصحة التطبيق، فكم من فكرة صحيحة لا تطبق تطبيقاً صحيحاً، وكم من فكرة خاطئة تطبّق بطريقة منظّمة. الأمر الذي يستدعي منا نظراً تنويرياً يشير بأصابع محددة لأشياء محددة ليرفع الغموض ويزيل الأوهام المغلفة للمفهوم الحقيقي الذي يناقض مفهوم ممارسة القوة على الآخر لإكراهه على اعتناق مذهبنا الديمقراطي.

أخيراً لا أستطيع أن أقول إلا أنه عندما نفكر بتحرير الشعوب ورفع سويتها لصالح المجتمع الإنساني المتكامل والتفكير بالآخر كإنسان قبل كل شيء – كما ندّعي – وجب علينا عدم سلخ الآخر من هويته وانتماءه وتجريده من تراثه ولا يحق لنا التفكير عوضاً عنهم بل من الأفضل لنا مساعدتهم في التفكير كوننا لا ندرك الكثير من خبايا ونزعات هذا الآخر وطرق معيشته وأسلوب حياته..

 

تنويه: هذه المقالة نشرتها في إحدى الصحف المحلية في ولاية (ويسترن استراليا) وهي باللغة الإنكليزية..

العنوان الأصلي للمقال: Going too far with democracy

 

 

Advertisements
التصنيفات :فوق مستوى الضجيج
  1. maria16
    يناير 5, 2008 عند 1:43 ص

    السلام عليكم

    مميز جدا هذا المقال ..بالفعل الدموقراطية شيء جميل..ولكن ليس ما نعني به الحرية الفردية وخاصة على حساب الغير..
    تستحق التميز بين أساتذة

    تقبل مروري وتحياتي

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: