الرئيسية > ضحك كالبكاء > مازوخيا.. ومزامير فجائعية (1)

مازوخيا.. ومزامير فجائعية (1)

مارس 30, 2008 أضف تعليق Go to comments

mazochia

(المزمور الأول..)

على بُعد موتين أو أدنى أرتّل آخر التعاويذ الفجائعية في مساءٍ ماكر، وما زلتُ جاثياً على رمق الموت في مرمى الزّناد متأبطاً جُبناً لا يجرؤ على إصدار ذلك الهزيع الأخير من الصوت، ولا شيء يحتويني سوى مزمورٌ فجائعي أخير لرجل يتقنُ الحزن ويتلذّذ بمازوخية هستيرية وهو ينكأ جروح الأمكنة المتعفّنة المتكاثرة على نتوءات جسده، كمرضٍ مستعصٍ يكيل له صاحب الوجه الممهور بالتعاسة مديحاً مع آخر ترتيلة لآخر مزمور يبثه كفحيح أفعى مجلجلة..

أنظرُ حولي ويتسيّد الصمت الموقف، أراقب أوهامي المنزلقة على جُدران غرفتي الرمادية، تلك التي دفنتُ فيها العديد من الأسماء الطينية، مُحافظاً على (السيد الصمت) حتى لا أصيبه بارتعاشة اليقظة. أتحرّك بهدوء بين قطعي المتناثرة في أرجاء الغرفة.. قدمي.. ساقي.. عيني.. كبدي.. كف يدي اليسرى.. أصابع يدي اليمنى.. وهذه الأخيرة ما زالت تمسك بالقلم لسبب أحاول أن أتجاهله. ضوء ثقيل يخرج من شق في جدار الألم خاصتي.. يقضّ مضجعي ويصيبني بالعمى المؤقت.. أشتم حظّي وأيامي.. وسنيني.. وكل شيء يتحرك ولا يتحرك.. أنتزع وجهي وأدقّه بمسامير على الحائط ثم أبصق عليه مراراً ومراراً ومراراً..

(المزمور الثاني..)

جَارتي تُوقظ الباب عَويلاً ولا تكفُّ عن طرقهِ.. ترمي بحفنة منَ الكلامِ الكثير، أردُّ على ذلك الصوت المُتبعثر مِن أسفل الباب بحفنة مِن عَلَف الكلام لِتخرسَ بَعدها فتنسحبُ مُتواريةً بين الظلام كغانيةٍ تَخشى أن يَراها الناس في الضُّوء. أو كشيطانٍ على حافّة القدَر يُغني للصمت.. بصمتْ. ويحوكُ بصوته على نولِ الموتِ كفناً.. لي.

أمسكُ الناي وأرسلُ فيه موجات من الزفير الموبوء، ليعزفَ هو الآخر صوتَ البُكاء ويُرثي (إنانا) التي اغتصبها (شوكليتودا)، كما اغتصبَ الألم بَكارتي هذا المَسَاء.

صاحبُ الوجه الممهور بالتعاسة يلتقطُ عينه الساقطة من دموعهِ فيرى فيها نَافذة قد افترشت سَماءها سُحبُ حزنٍ سوداء ودخّان (سيجارٍ) من تبغٍ محليٍّ رديء.. يرمق فيها حروباً.. دماءً.. أشلاء.. آلام.. موتى.. جثث.. عفن.. مرض.. كوليرا.. عشيقة هاربة.. وجوه.. أجساد منسلخة.. منافقين.. خونة.. مشانق..


أرمي بالناي نحو المدفأة ليشتعل هو الآخر فوق مدفن الصور، ونظراتي تتسلق تلك الصور. تُمطر عيناي من جديد لعنات؛ لعنات استماتة وانهزام في آن واحد.. والنار تنهش طرائدها من الوجوه الموشومة. أُحصي ما تبقّى لديّ من أعضاء كي أطمئن عليها، أرتكب جريمة الأصابع فأتحسس ذنوبي المغتسلة بمطر الفجيعة الذي ما زال يندلق من سراديب ترشق القهر.. ويلتصق بي ظلّي كي لا أتوه عن بقايا قبري المنبوش المليء قيحاً.. وجراحاً متخثرة.. آه كم أودّ لو أذوب وأنعدم كهلام في هيولى أسود ولا يبقى مني شيء للذاكرة
.

(المزمور الثالث..)

مورفين.. مورفين.. أحتاج إلى المورفين ليخفّف عني هذه اللذّة المطلقة من الألم حتى لا أستهلكها دفعة واحدة في صقيع البرد هذا. لا بأس سأحرق بعضي لأدفّأ بعضي.. سأنتزع قلبي وأرميه في تلك الزاوية المحتضرة لأحصل على دفء أكبر.. لطالما كان قلبي دافئاً. ولطالما جَلدتهُ على إثم خطيئةٍ لم يرتبكها بحق آلهة.. أواه كم أحتاج أن أحرث جسدي بخنجر.

الريح الباردة تضغط على حنجرتي أكاد أختنق من الهواء. الحزن يفترسني وكحل الغواية ينتزع ما تبقى من شَعري وشِعري بفتنة.. وذا الوجه المدقوق بالحائط يحمل عصوراً من القهر والألم والحزن.

إلهي لمَ تموت فينا عند الحزن كل الأشياء. “إلهي، رباه، يا إلهي! إجعل الشيطان يفي بوعده.

Advertisements
التصنيفات :ضحك كالبكاء
  1. مارس 31, 2008 عند 9:51 م

    حديثنا مع انفسنا
    اصبح فاجعت من كميت الالم الذي بداخلنا

  2. max13
    مارس 31, 2008 عند 9:56 م

    عجب أن يتلذذ الإنسان بعذابه ظننت نفسي وحيدا أفترس نفسي وأحرقها ها أنا أجد من يشاركني تحدي الحزن الأعمق رغم أني ما زلت مع الله وإن زادت أحزاني .

  3. أبريل 2, 2008 عند 6:09 ص

    من حقك ان ترمي الناي .!!!
    فقط…..
    كم انت دافئ حفظك الله

  4. أبريل 14, 2008 عند 2:19 ص

    المازوخيا مرض جلد الذات.. أو الاستمتاع بالألم الذاتي للإنسان.. هو مرض بالفعل خطر.. لكن من كثرة آلامنا أصبحنا لا نجد مهرباً منها إلا بالاستمتاع بها في محاولة يائسة للهروب..
    على كل حال النص هو الحكَم هنا وليست الحالة.. فالحالة بعيدة عن النص تماماً.. وأتمنى أن تستمتعوا بالنص أعزائي..

    شاهق تقديري

  1. مايو 19, 2008 عند 10:10 م
  2. يناير 7, 2009 عند 5:00 ص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: