الرئيسية > ضحك كالبكاء > مازوخيا ومزامير فجائعية (3)

مازوخيا ومزامير فجائعية (3)

أكتوبر 17, 2008 أضف تعليق Go to comments

(المزمور السابع)..

نسيمات هواءٍ شتائي قارس تزحف من ثقوب الجدار، تعوي في عظامي وتتسلّلُ إلى خلايا جسدي فتثقله برقصة غير مكتملة الارتعاش من لهب الاحتضار.. تقلّب دفتر ذكرياتي خيبةً إثر أخرى فتهذي تلك الوريقات بأسماء دفنتها في قاع لحدٍ لم يقدَّر له النجاة.

أمسكُ بذلك الكرّاس بارتعاشة يدي المغلولة إلى عنقي. وكهاربٍ من أجداث الأرض تتجمّل أذنايَ بأصوات الجماجم المرتطمة على مدفن الصفحات؛ وجوهٌ جائعة ترمقني ببلاهة مرتسمة على هامش الأوراق تنفثُ غبار قصص موجعة مكلومة الآه، ما تزال مقيدة بأنحاء جسدي تنخرُ صريراً بتمتماتٍ كسيحة فأردِّدُ تعويذتي العتيقة بصمت.

تبتلّ أصابع قدمي بدمعٍ يتساقط بثقة، وتسيل نظراتي مع كلّ فقرة أتجاوزها خوفاً من ملامح مختنقة دفنت بجواري. وعند مفرق الأحداث أسحبُ خيطاً مهترئاً لينثر لي آخر صفحة توقف فيها دمي دقيقة صمتٍ عن اقتراف نفسهِ ونَفَسه.. أووه كان ذلك من زمنٍ بعيد.. بعيدٍ جداً.. بل أكثر بُعداً من أي شيء آخر..

(المزمور الثامن)..

أتذكّرُ ذلك اليوم الأخير قبلَ توغّلي في خفايا الموتِ طريداً؛ حين التهمتني السماء عصفوراً بُحَّ غناؤه، أتذكر أن السماء أيضاً كان لها لونٌ مختلف، وطعمٌ مختلف، ولم تكن خيوطها تفضح وجعي المتشتت صوب كلّ ناحية. لم يكن هناك فراغٌ هلامي مقفر يستوطن أزقة رأسي وشقوق أيامي. ولم تكن التعاسة تودع عندي سياطها كلّما عصف بأزقة ذكراتي صرير ريحٌ عاهر الضجيج يقتلع أوتاد صبري بفجاجة ويبعثر بقايا الإنسان في داخلي.

كنتُ أتساءل في تلك الأيام عندما كان النهار نهاراً والليل ليلاً: “ترى ما طعمُ الملح؟!!”..

كنت حينها جميلاً وأنيقاً ولم يكن هناك ثمّة شحوبٍ يعتلي وجهي، كنتُ فريد الحضور وكنتُ أُشغل الحياة بي. كنتُ أرقب أيامي الجميلة بعينين استقرّتا كجوهرتين في وجهي تلمعان بريقاً مختلفاً عن الشحوب الذي يستوطنهما حالياً، وكانت دهشتي بالحياة في كامل أنوثتها وأعوامي الجميلة لم تبلغ الحلم بعد..

لكن، في ذلك اليوم قبل مماتي بكت النقطة آخر السطر الأخير فأسدلتُ الستار على نفسي ووقعتُ بلا أنا.. وكان ذلك.. كلّه..

قبل أن أكون.

————————————–

مواضيع ذات صلة:

– مازوخيا ومزامير فجائعية (القسم الأول)

– مازوخيا ومزامير فجائعية (القسم الثاني)

Advertisements
التصنيفات :ضحك كالبكاء
  1. Asmaa
    أكتوبر 19, 2008 عند 5:14 ص

    لسة مدونتك رائعة زي ما هي مع انها نكدية شوية (لا مش شوية نكدية كتير بصراحة D:)

    تحياتي لك 🙂

  2. zolfa alhawa
    أكتوبر 21, 2008 عند 3:55 ص

    مداد :

    أيها القاطن في حنايا صفحاتك والذاكرة..
    إلى متى ستتلذذ في تعذيب نفسك ؟؟

  3. أكتوبر 22, 2008 عند 1:31 ص

    Asma
    خلاص يا ستي المرة الجاية حكتبلك نص مش نكدي عشان ما تقوليش (مدونة نكدية).. أهو على سبيل التغيير يعني..
    🙂

  4. نوفمبر 19, 2008 عند 7:52 ص

    أخي الكريم مداد …

    أنا أضفت رد على تشريفك لي بالمدونة بموضوع ( لا للفساد …. و لكن )

    أرجو منك الاطلاع عليه ومراسلتي على الأيمل …

    و تشرفنا بمعرفتك

  1. أبريل 23, 2009 عند 7:21 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: