الرئيسية > ضحك كالبكاء > أنا الواقف تحت الياسمينة..

أنا الواقف تحت الياسمينة..

يناير 7, 2009 أضف تعليق Go to comments

خرجتُ في غمرة ليلٍ هزيل تسلّل إلى ستائر نومي الثقيلة فملأها بدخان الكوابيس.. هرب النوم.. وهربت الأحلام.. بدأ الظلام يتسلّل إلى داخلي وبدت مصابيح الشارع هزيلة يبدو وكأن الشتاء يوهنها هي الأخرى أيضاً، عيناي كانتا تتشاجران مع تراب الشارع بكلمات غير مفهومة..

تركت أطفالي في رحم أمهم التي أحبتني يوماً وخرجتُ إلى حيث لا مكان، لا وطن.. ولا حتى أنصاف بشر.. على بُعد شاهق كانت المدينة السمراء النحيلة كغانية مستهلكة تترنّح على أطراف جسدي المكفوف، وبعينين نصف مفتوحتين بتُّ أراقب الغريب الذي عاد، بدا كعجوزٍ من المطر المخفي تسلّل من ثقب في سياج المدينة، توقف عند الياسمينة على ناصية الشارع وأخذ يرمقها بعينيه اللوزيتين وكأنّ لذّة مفترسة انتابته فجأة فأخذ يرتعش تحتها ويتصبّب إنساناً..

 

 

تسلقتني لوعة أطلّت كالقمر واعشوشب الألم على خاصرتي وأنا أرقبه مستمتعٌ برائحة الياسمين بلذّة شبقية، رحتُ انسكبُ ببطئ على الرصيف القرمزي أبحثُ عن كهفٍ يؤويني ويسبت قلبي ألف ألف عام.. أنتفضُ كما عصفورٍ بلله المطر وألتصق بثيابي التصاق الخروف الرضيع بأمه النعجة..
ما زالَ طيفٌ نرجسي يطاردني ببصمات لا فكاك منها حتى في مدن البلاد البعيدة.. تمنّيت لو بقيتُ أعيش على مصطبة عارية في المحطات التي احتضنت خلقة تشرّدي.. لو أنهارُ في الزقاق الخلفي لكنيسة موحشة.. لو أبقى هكذا في عربة مغادرة الى المجهول..

اقتربتُ من الغريب أكثر فألفتُ فيه عينين ودودتين ترسمان حلماً بنفسجياً.. ايييه أيها الغريب عند هذا المفترق بُعيد منتصف كل الأشياء نلتقي تحت ياسمينتك فننقش لوحة للنسيان، أنت مِثلي ومَثلي وأنت أنا وأنا أنت نجتمع على إسفلت الشارع المتشقق هذا.. كلانا يجرّ عربة موتى في ظلام هذا الليل..

ايييه أيها الغريب ما الذي يجعلك تعاود المكان زيارةً؟!! وقد استحوذ غريمك على المكان.. ونال من ذلك المخلوق الطهراني الذي كنت تقدّسه..!!؟

يلتفتُ إلى تلك الياسمينة وتتحرك شفاهه: هناك بصيص ضوء يتأرجح بين رماد الروح.. إسأل هذه الياسمينة.. إسأل الصفصافة المجاورة.. إسأل رصيف الشارع.. الضوء الخافت.. العتمة.. المكان.. الشجر.. كل ذلك سيقول لك نفس الكلام..

” لأن الشجر يعرفني..
تعرفني كل أغاني المطر..
..
..
لا تتركيني شاحباً كالقمر..”.

اندفعَ بعد ذلك في بُكاء غريب أحسسته من تلافيف قلب له حرارة الدم، ذلك البكاء الذي ينطلق مرة واحدة لا غير.. أشاح بوجهه عني وأخذ يجتهد في الابتعاد داخل الظلمة.. سمعته يهمس بحرقة:

“وإني رغم أنفي أحب
أحب..
أحب..”.

——————
* مواضيع ذات صلة:
– مازوخيا ومزامير فجائعية (1)
– مازوخيا ومزامير فجائعية (2)
– مازوخيا ومزامير فجائعية (3)
– مدينة القديسين

 

 

 

 

 

 

Advertisements
التصنيفات :ضحك كالبكاء
  1. يناير 7, 2009 عند 7:17 ص

    و إني رغم أنفي أحب و يبقى قلبي عاشقاً مهما تعذب….
    ناثان ينطق حرفك صديقي…
    كن بخير..
    رامي..

  2. ضياء
    يناير 7, 2009 عند 5:43 م

    أحبك، فاحتضني أيها القمر

    هارب من مدائن الظلمة، وخزعبلات البؤس والسواد، إلى حيث يتنفس الله عبيراً وضياء. أتيت، فخذيني يا رياح الجنة، من كوابيس الزمن الأغبر، ومن أشباح عقيمة، إلى فضاءات أكثر عمقاً وأكثر ملائكية، إلى حيث لم يدنسه أترابي من بنو البشر، هناك حيث يعيش القمر.

  3. وردة
    يناير 8, 2009 عند 10:39 ص

    ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    صعب أن نشق الطريق الى ياسمينتك

  4. يناير 8, 2009 عند 1:22 م

    أعودك مراراً هنا، ولا أرتوي. عتبي على زمان مثقل بالقحط، والقيح، والشناعة. ولكني أجهد باحثاً دائماً عن زهور بين الصخور تبعث فيني الأمل.

    بقي أن أشكرك، صباحك سعيد.

  5. dove101
    يناير 9, 2009 عند 1:44 ص

    جميل يا أنت .

  6. يناير 10, 2009 عند 12:01 ص

    ضياء..
    أسعدني مرورك ههنا..
    في زمن القحط نتسوّل الكلمات الجميلة النابتة بين الصخور لننظر إلى ما هو أبعد.. أجمل.. من هذه القساوة..

    طبتُ نفساً فقر عيناً..

  7. يناير 13, 2009 عند 9:36 ص

    عليكَ السلام …

  8. مارس 12, 2009 عند 8:00 ص

    My name is Mon Ansari I want to talk to you about the wonderfulo avatar that you made. How can i get one made for AKHBAR e RUPIAH my blog—rupee news

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: