الرئيسية > مداديات, الرصيف (قصص جداً قصيرة) > مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (3)

مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (3)

مارس 21, 2009 أضف تعليق Go to comments

اليوم الثالث

في الصباح الباكِر، دخلَ أحدهم وقام بترديد أسماء بعض السجناء – المتهمين -، اقتادهم خارج السجن، وبعدَ انتظار دامَ أكثر من ساعتين جاءَ أحدهم واقتادني مع مجموعة من السجناء إلى الخارج، تمَّ تقييدنا مرّة أخرى في قيود ثنائية (كل اثنان في قيد)، وساقونا إلى سيارة في الخارج، وضعونا فيما يسمونه (القفص) الخلفي، وأخذونا إلى شعبة التجنيد.

لوْ أردتُ أن أجلِسَ معَ كبار المختصين النفسيين على هذه الكرة الأرضية، ليمنحني القدرة على شرح الحالة، وأنا أنزل من ذلك القفص المقيت أمام أنظار العالم مقيداً بيدي الاثنتين، غارقاً في الإذلال، يمسكني اثنان ويجرّاني بسرعة، وشعبة تجنيد تلك المدينة تقع وسط سوق شعبية لمن لا يعرف.. من الممكن أن يراني أكثر من مائة شخص أثناء نزولي ثم صعودي إلى مقرّ الشعبة كأنني سجين مُدان ارتكب جريمة ما بحقّ المجتمع. أستغربُ من بلاد تصنع من أبناءها مجرمين كرهاً وتضعهم في خانة مع كبار العتاة ثم يُطلب منهم أن يخدموا الوطن..؟!! لا أعرف إن كنتُ سأخدم وطني أم سأخدم من يملكونه..؟!!! سؤال أشعل هواجسي من جديد وشرّع الأسئلة عن جدوائية هذه المعمعة كلها..

اضطررتُ حينها لرفع رأسي عالياً عندما تذكرتُ منظرَ المقتادين إلى السجون حين ينزلون وسط الناس وهم مطأطئي الرؤوس، فأنا لستُ مجرماً ولن يلبسوني روح المجرم حتى ولو بالقوّة..، ولَن أدفعَ فاتورة كوني في بلدٍ لا يحترم مثقفيه فضلاً عن أن يحترم مواطنه العادي..

بقيودي وهمِّي وهواجسي وأفكاري صعدتُ، دخلتُ إلى غرفة رئيس الشعبة، أخبرني أن أوراق تأجيلي تمَّ رفضها في دمشق، وأنني سأسُاق إلى الخدمة الإلزامية، خرجتُ من الغرفة ودخلتُ غرفة أخرى تم إملاء يياناتي فيها وتسجيل بدء مهمة على دفتر الخدمة الإلزامية، قادني عسكري من الشعبة إلى الشرطة العسكرية، ثمة أشخاص تكلّموا لأجلي هناك معَ أحدهم (مساعِد على ما أعتقد).. فطلَب عدم تفتيشي هذه المرة، وأدخلوني في زنزانة أخرى مكتوب عليها (مهجع الشرطة).

بقيت لوحدي فترة ما ثم دخلَ شاب آخر كان على وشك إنهاء خدمته في مركز الشرطة العسكرية قبل أن يتعرّض لحادث دراجة نارية جعلته يدخل في دوامة استمرت لأكثر من أسبوع، بعد حوالي الساعتين أو أكثر، دخلَ مجموعة رجال تبدو عليهم علائم الوقار، ويصعبُ تصديق أن أمثالهم يمكن لهم أن يتواجدوا في مكان كهذا يوماً، كانوا متهمين بالتعاون مع عسكري السجن المدني في تلك المدينة من أجل صفقات تجارية أو ما شابه، هذا ما فهمته.

تسليتُ (بغصة) وأنا أستمعُ إلى أسلوب التحقيق الذي استخدموه معَ أحدهم (تجاوزَ الأربعين وربما اقترب من الخمسين)..، ادخلوهُ في دولاب. وآخر تجاوز الخمسين فعلاً .. ( ……………… ) ، لَن أبكي الآن ، العسكري المسكين، ضُربَ بقسوة شديدة من أجل الاعتراف بأسماء أشخاص، وهوَ لا يملك هذه الأسماء، لَم أستطع الاستمرار في الإصغاء إلى قصص هؤلاء، أخذت زاوية من ذلك السجن القاتم ، ……. ولليوم الثالث على التوالي ….

نمتُ ؟! .

———————————–
a2a_linkname=”مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك.. (3)”;a2a_linkurl=”https://medaad.wordpress.com/2009/03/21/conscription3/”;

———————————–

مواضيع ذات صلة:

– مذكّرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)

– مذكّرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)

Advertisements
  1. مارس 21, 2009 عند 3:42 م

    متابع معك..

  2. مارس 21, 2009 عند 5:47 م

    مداد .. لا أستطيع استيعاب ما يحدث إلى الآن ..

  3. mahamed
    مارس 21, 2009 عند 8:28 م

    Medaad, your story is troubling and should be alarming, but unfortunately it is the norm not recently but it goes back to the 60s with the establishment of the baboonish laws, which established the socialist order and the no talking no thinking laws.
    In 1966, I was student in Damascus in the main school Ibn Khaldoon. In that summer we went to the youth camp as part of the mandatory military service in schools (mo3asker al shabibah), in Seweedaa.
    During the full 15 days the instructors in one tenet, they used to call on the radio for a young guy, he was one of my class student of 11 grade, his name yusef E.,. They used to call him to that tent and I used to watch from the outside the slapping and knocking of this young man, every day for 15 days. He would fall down and then stand up again, and they would slap him to ground again. I could not believe that there were such cruelty and hate in our midst and against young people who could be different and has their own minds. I used to shiver outside watching him getting tortured in front of other students, to make an example of him. The reason for his torture was, as we knew at that time, that this guy is vocal and has affinity to religious thoughts.

  4. مارس 21, 2009 عند 10:36 م

    تحياتي نايثن . . أصدقك القول انني لم أقرأ القصة كاملة بعد ولكن يطيب لي التعليق عليها كوني ألفت هذه القصص من بعض ما سمعت من هنا وهناك 🙂

    ويؤسفني قول “ألفت” إلا انه الواقع!!

    لكن سرعان ما تتلاشى الألفة لتتحول الى إحساس عميق بالذل والمهانة والحقد فيما لو تعرض أحدنا الى عشر معشار ما حدث!

    قبل اغترابي تركت مادة من موادي الجامعية لتكون طوق نجاتي من (السَوق) -لاحظ المصطلح المتبع وما يحمله من دلالة- ريثما احصل على فيزا السفر تأخرت الفيزا ويبدو انني دخلت سنا ما عادت تنفع معه المصدقة للتأجيل وفي مساء جميل جاء الى بيتنا العسس وبإسلوب ذكي اقتادوني معهم لأكتشف على الطريق انني متخلف عن الخدمة الإلزامي. بت ليلة في غرفة صغيرة تكاد تشبه الى حد كبير ما تم وصفه هنا ورغم المعاملة الحسنة التي قوبلت بها وسماحهم لي بإحضار فرشة نظيفة من البيت إلا انها كانت أطول ليلة في حياتي!!

    في الصباح حصلت على تأجيل جديد، لكني لم أنسى تلك الليلة رغم بساطتها.

  5. مارس 22, 2009 عند 1:32 ص

    تستاهل كل الخير
    بس

    وهنالك من لا يستطيع استيعاب أي شيء إلى الآن.. ربما بعد حلقاتك الست سيستوعبون
    nice input muhammed
    عجبتني mo3askar al shabibah

    لكن عندي سؤال جانبي
    naithen: You staying in Nollamara?

  6. مارس 22, 2009 عند 9:53 ص

    the third cut is the deepest .

    المشوار الأول :

    – أوراقك ..
    – تفضل .
    – ممم .. أنت متأخر بإحضار مصدقة التأجيل .
    – ما تأخرت ، بس الفكرة أنو هلأ لحتى طلعت الأوراق من الشام .
    – ما بعرف ، المهم متأخر .
    – طيب .. وشو العمل .؟؟
    – بسيطة .. بيبيعو برا كروزات حمرا طويلة ؟؟ ..
    – هففف ( على اعتبار أني ما بحب أدفع رشاوي ) .. لا ما بيبيعو .
    – طيب ، تصطفل .. أوراقك مرفوضة .
    – على كل حال هي أوراقي معك وهية نظامية تماماً .. وما فيك ترفضها .. سلام .

    على اعتبار أن المدني ( راسو كبير ) تركتُ الموظف وعدتُ إلى دمشق .
    وبعد مدة كنتُ قد قررت الالتحاق بالخدمة العسكرية وإلغاء تأجيلي :

    المشوار التاني :
    مع نفس الموظف :

    – ممم أنت متخلف عن السَّوق ( لاحظو كلمة السوق ) لمدة يومين .
    – أي .. يومين .. وين المشكلة ؟؟ .
    – وين المشكلة ؟؟ المشكلة كبيرة .. قلتلي ما في كروزات حمرا طويلة برا مو ؟
    – أي .. مو .
    – طيب هلأ صارت بتكلفك 2000 ليرة القصة يا أما رح أستدعي الشرطة العسكرية تاخدك موجوداً .
    – طيب أنا ناطر استدعي لقلك . ( المدني راسو كبير ) .

    وفعلاً كان حضور الشرطة أسرع من حضورها في أفلام الـ Action .
    تم أخذي ” موجوداً ” . وحصل بعدها ما حصل من أمور تشبه إلى حد كبير ما حدث في سرد الكاتب .

    الدروس المستفادة :
    – المدني ما لازم يكون راسو كبير كتير ، لازم يتناسب حجم راسه مع حجم التحديات والمعطيات ، لازم ” يكيّف ” راسه حسب ما يتطلب منه الوضع .
    – الرشوة ضرورة وطنية .. لا تتردد بدفعها .
    – الموظف دائماً على حق ، استمع لنصيحته وإلا ستندم لاحقاً .
    – الحمرا الطويلة موجودة ومتوفرة في كل مكان .
    – الأوراق الرسمية والثبوتية لا تساوي شيئاً أمام الأوراق النقدية .فالأخيرة هي الأهم .
    – الشرطة في خدمة الشعب .

    شرح المفردات :

    الحمرا الطويلة : سجائر محلية فاخرة . مفضلة لدى أغلب الموظفين .
    المدني : مواطن غررتْ به الحياة حتى أصبح يجرؤ أن يرفع رأسه .
    موظف : مواطن بيده مفاتيح كل شيء . لا تتردد بالاستماع والإنصات جيداً له .
    رأس كبير : أحد المحظورات التي يعاقب عليها القانون ” بقسوة ” .
    السَّوق : مفردة من لغتنا الجميلة تستخدم كفعل جر للماشية .

    شر البلية …. !!

  7. مارس 22, 2009 عند 5:23 م

    يقول نجيب محفوظ:

    كان الحاكم في العهد الناصري قد طلب من المصريين اعتزال السياسة فتحول المصري من كائن فعّال إلى سلبي متفرج، من موجود مشارك إيجابي إلى ((هيكل عظمي)) يتقبّل أي شيء، والأخطر من ذلك أنه سلب من داخل المواطن شجاعته، وإحساسه بالكرامة، وإحساسه بالأمان..وهذا شيء فظيع إلى أقصى حد..

    ربما “ثقافة العادي” هي أكبر مصائب مفرزات الأنظمة الشمولية من جهة ولبلادة الشعور الداخلي من جهة أخرى، ولهذا فقد أصبح من الطبيعي جداً – وجداً..- أن نستمع إلى قصص كهذه وأحاديث يومية ومشاهدات – غير طبيعية بالنسبة للغير-، دون أن يتوقف أحدهم عندها من كثرة الألفة والعادة.. حتى دون أن يدرك البعض ذلك.. وبذلك يصبح مسلسل (التنازلات) مستمرّاً.. وكل شيء عاااااااادييييييييييييي.. على حد تعبير عادل إمام “متعوّدة.. دايماً…”..
    لنا تدوينة مستقلة شبه جاهزة عن “ثقافة العادي” هذه..
    للمزيد راجع:
    http://manofpaper.blogspot.com/2009/03/blog-post_16.html

    كل التحية..

  8. مارس 22, 2009 عند 5:28 م

    ranouche ..
    آسف لإثارتي الرعب.. لكنها أشياء وجب أن يُرفع عنها الغطاء حتى لا تصبح “عادية جداً”..
    شكراً لقراءتك المستمرّة..

    عابر ليس متأخراً هذه المرة..
    Yes.. i do..!!

  9. مارس 22, 2009 عند 6:12 م

    متابع معك…وبإنتظار باقي الأيام ونهاية ( القصة )

  10. GMR
    مارس 22, 2009 عند 10:57 م

    الله يديم المحبة 🙂 , متابع حتى إشعار آخر

  11. زينب
    مارس 24, 2009 عند 4:13 ص

    حمدا لله على سلامتك علقة تفوت ولا حد يموت
    والسجن للجدعان

  1. مارس 25, 2009 عند 4:50 م
  2. مارس 30, 2009 عند 4:11 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: