الرئيسية > مداديات, الرصيف (قصص جداً قصيرة) > مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (4)

مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (4)

مارس 25, 2009 أضف تعليق Go to comments

اليوم الرابع
(1)

كان يوم خميس، وكانَ يفترَض أن يتم أخذي (موجوداً) إلى الشرطة العسكرية هناك ليتم أخذي بعدها إلى شعبة التجنيد ثمَّ إلى مفرزة النبك لألتحق بالخدمة، هذه الإجراءات والتي من الممكن إنهاءها في غضون ساعة من الزمن، أخذت معي ثلاثة أيام بلياليها، وكثير من القهر والجوع والمرَض والاختناق والذل و و..الخ..

أخرجوني من الزنزانة، وقاموا بتسليمي أماناتي، خرجتُ إلى ممر ضيق تجمّع فيه ما يزيد على عشرين شخصاً، معظمهم مجرمين، ومنهم كنا حوالي السبعة متهمين بالتخلف عن الخدمة، وموقوفين دون تحقيق ودونَ أدنى حق بالدفاع أو الكلام، حتى حق الزيارة.. سُلِبناهُ لاحقاً.
تمَّ ربطنا جميعاً في سلسلة واحدة، كان المنظرُ أقوى وأشدّ من سابقيه، رجوتُ أيّ تصرفٍ واعٍ من الموجودين بالقرب بأن يرحمني ولا يوثقني بهذه الطريقة البهائمية.. (في سلسلة طويلة كالأغنام؟؟؟) تباً..

هنا.. أشياء أخرى بدأت تنهار داخلي، وحجم الصبر الهائل الذي حملتهُ بدأ ينفد، وبدوْتُ متعباً بدرجات.. وبدأت ملامحي بالتقلُّص. وضعُوني مع الآخرين وربطوني في السلسلة، وكالخراف ضمن قطيع.. تمَّ اقتيادنا خارجاً.

(2)

ثمّة سيارة أخرى كانت تنتظرنا لتقلّنا إلى دمشق.. ودمشق هذه المرّة ليست مدينة اللهِ الخالدة، بل مدينة القاذوراتِ والأوساخ وروائح المهاجع والمجرمين والكلاب، مدينة الأوباش قتيمي الهيئة، مدينة القلق والكبتِ والهوَس، مدينةُ الخوفِ والصَّمت.

دِمشق مدينةُ الأسر، لا شيءَ فيها إلاّ ذلِك المكان المقرف (القابون) حيث السجن العسكريّ، حيثُ نهاياتِ الضمير البشري، حيثُ لا أمن لأحدٍ مِن أحَد، وحيْثُ لا يأمَنُ مواطِنٌ آمِنٌ خطأَ موظفٍ حكوميّ.. أو مزاجَ ضابطٍ عسكريّ.. بدَت ليَ الأشياء بشعةً وكريهة، وبدا ليَ اللهُ (عفوه) بعيداً وساخطاً.. وظهَرَت ليَ السَّماءُ نافرةً وسوداء، ولَم أكُن قادراً إلا على الموتِ..

بهدوء، نزلتُ معَ رفاقي في السلسلة من مجرمين ومخالفين للقانون وعتاة وقتلة، ودخلنا ذلِكَ المكان، سلَّمنا أماناتِنا، وطلبوا منا أن نديرَ وجوهنا إلى الحائط، كنتُ مضطراً إلى رفع رأسي عندَ كل موقف إذلال وخنوع، لَم يكُن باستطاعتي أن أتحمَّل فِكرةَ أن أطأطئ رأسي في مثل هكذا موقف بالذات، وإن كانَ من يذلني هوَ ابن بلدي بالذات!!
تجردنا من ملابسنا مرة أخرى، وتمَّ تفتيشي معَ الآخرين بدقةٍ مُدهِشة، وساقونا إلى غرفة قالوا عنها (موجوداً).. حُشِرتُ هناكَ معَ ما يزيد على الأربعينَ شخصاً، وسط روائحِ القاذورات والأوساخ والفضلات، في مكانٍ تعرّشت الرطوبة فيه ونمت فيه العفونة بشكل مضطرد، مليء بالمجرمين، قتلة، لصوص، مهربين، مغتصبين، و فارّين من الخدمة.. رغمَ أن المكان أكثر قتامة ووحشة من سابقيه، ورغمَ أن حجم القذارة هنا مضاعف ومخيف، ويصعبُ عليَّ تصوّر قدرتي على النوم هنا (وهذا ما حصل لاحقاً)..، إلاّ أنني أنستُ للمرة الأولى بوجود مهندس آخر تم سَوقهُ إلى المكان يكبرني بحوالي 4 سنوات، ثم انضمَّ إلينا لاحقاً طبيب، وكانَ ثمةُ مَن يحملون شهادة معهد، وآخرون يحملون البكالوريا، حتى بلغَ عدد المتخلفين في هذه الحجرة حوالي العشرون.

وعندما جاءَ الليل، كانَ كل شيء قاتما بدأ الصوتُ يهدأ وبدأ الجميع ينامون تدريجيا، قمتُ بالتخلي عن مكان نومي احتراماً للطبيب الذي يكبرني بحوالي 7 سنوات، ولَم أجد لي مكاناً في المنتصف، وسط الأقدام، ومرّة أخرى، فشلت في النوم.

(3)

بدأ صداعٌ مزعجٌ في رأسي، قمتُ وسلّيت نفسي بالدندنة قليلاً (يما مويل الهوا يما مويليا.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)…، (ياظلام السجن خيم، نحن لا نخشى الظلاما، ليسَ بعدَ الليلِ إلا فجر مجدٍ يتسامى)..، ثم عدتُ إلى الأولى.. ( يما مويل الهوا.. يما مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)…، ( يا رنين القيدِ زدني… نغمةً تُشجي فؤادي..، إنَّ في صوتَكَ معنى للأسى والاضطهاد)… ومرة أخرى عدتُ إلى الأولى ( يما مويل الهوا..، يما مويليا، ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا)… إلى أن تشنج جسدي كله وبدأت أضطرب، ارتفعَ صوتي قليلاً، خشيتُ مِن البكاء فصمتُ.

لوحدي، وأوجاعُ رأسي القاتِمة، تمددتُ على الأرض، ممسكاً بأيِّ شيءٍ يساعدني على تجاوزِ آلامِ الرأس.. فُتحَ باب السجن، خشيتُ أن يكون ثمة عسكري سمعني وأتى ليعاقبني، لكن هذا لَم يحدث، تم إدخَالَ شابين إلى المكان، توقفا قليلاً وأمعنا النظرَ بدهشة إلى هذه الأكوام المتراكمة فوق بعضِها، ثم حشر كل منهما نفسهُ في أي شيءٍ،.. أحدهما غطّ من فوره في سباتٍ عميق، والآخر أخذ يبكي بحرقةٍ جعَلَتني أرثي لحالي قبلَ حالِه، قمتُ مِن مكاني واقتربتُ مِنه، حاولتُ أن أواسيه، فشكا لي من رائحةِ المكان القذرة، قلت له لا بأس ستعتادها عمَّا قليل، حاول أن تنم الآن، سألني عَن عملي، أخبرتهُ أنني مهندس، قالَ لي كيف تواسي نفسك، صمتُّ قليلاً..، وقلتُ له أن كل ما علينا فعلهُ الآن أن ننتظرَ الأفضل، نم الآن ونتحدث غداً.

تركتهُ بسلام، حاولتُ النوم مجدداً إلاّ أن آلام الرأس كانت أقوى من كل شيء، بقيتُ على حالي حتى الفجر تقريباً.. حوالي الرابعة فجراً فتحوا الباب وأدخلوا الفطور، القليل منه للكثير من الأفواه الجائعة، كنتُ مرهقاً بشدّة اقتربتُ من الطبيب وشكيتُ لهُ حالي وسألته إن كان يستطيع إيجادَ أي حلٍّ لي، طلَبَ مني أن أستدير ثمَّ قامَ بعمل (مساج لرأسي) ارتحتُ كثيراً.. ونمتُ للمرة الأولى منذ وصولي إلى هذه المزبلة.. ساعاتان تقريباً قبل طلوعِ صباحٍ لا يُعرف له شكل في مكانٍ مغلقٍ عن كل شيء إلا عن روائح القاذوراتِ والفضلات.

* * *

اليوم الخامس

يوم جمعة، يوم آخرَ داخل هذا المكان، مسجونين مخنوقين، لأنه يوم عطلة كان يفترض أن نذهب إلى شعبة التجنيد ليتم تصويرنا، وشعبة التجنيد مغلقة لأنه يوم جمعة، كانَ يوماً بارداً وثقيلاً يسيرُ ببطئ على جدران هذا السجن الشاحب.

كان ثمة شخص يدّعي أنه قاتل محكوم بالسجن لفترة 9 سنوات، انتهت مدة محكوميته ويستعد لاستعادة حريته، بدا لي أقل بكثير من مجرم، لم أحاول فهم تفاصيل جرمه، ولكنه بدا قادراً على مواساتي، مِن خلالِ هدوئِهِ وتعاطفه، وقد أثَّرَ بي كثيراً مظهرُ الشاب الذي دخلَ السجن أمس وبدأ يبكي، فهمت لاحقاً أنه موظف في إحدى شركات الاتصال يبلغ من العمر حوالي 33 سنة، وهوَ متخلّف عن الخدمة الإلزامية قادوه قبل ليلة إلى هذا المكان، بدا منهاراً وعاجزاً تماماً، لَم أستطِعْ منعَ نفسِي مِن الوقوفِ بجانبهِ مرة أخرى.

كانت تجربةً مريرة أن أتناسى حجم الاختناق الذي أعيشه لأواسي ذلكَ الآخر الغارق في سوداوية معتمة، تذكرتُ حالة الانهيار الأولى التي أصابتني في اليوم الأول، وماهية الشعور البغيض عندما تم وضع القيد في يدي، والطريقة التي تم اقتيادي بها من مكان إلى آخر وصولاً إلى هنا، تذكرتُ حالي وصرتُ أرثي لِنفسي.
قضيتُ هذا اليوم متنقلاً بيْن الشبان الصغار المتواجدين معنا، كل منهم يحاورني ويقصُّ عليَّ قصته، بدوا لي جميعاً ضحية واقعٍ هش نعيشه عموماً في هذا المجتمع البغيض والوقح، تفاجأتُ حين أخرجَ أحدهم قصيدة من جيبه وطلَب مني أن أقرأها.. كانَ شاباً صغيراً في حوالي العشرين، وهو لم يتجاوز في دراسته الصف السادس، ولكن كلماته رقيقة وعذبة، جعَلَتني أشعرُ بفرحة غامرة لأجله، رغمَ أني نسيت أن أسأله عن سبب تواجده هنا في هذا المكان، إلاّ أنني فرحت ولو للحظات قليلة بالحديث معه.

تفاجأتُ أيضاً حينَ تحدثتُ معَ أحدِ الموقوفين الصِّغار في السِّن، قال لي أنه ذهب من فترة إلى شعبة التجنيد وأخبروه أن يراجعهم مع بداية الشهر الرابع، ولَم يكن ينوي التخلف أبداً عن بداية الشهر الرابع ومثله كثيرين.. إلاّ أنهم فوجئوا بما حدث..

لم أفهم والله.. ما الفائدة من كل هذا..؟!! ما الفائدة؟!!! وإلى أين سنصل..
روحي مشبعة بالسواد.. أغلقت الأبواب كلها أمامي، لَم أكن محقاً حين آمنتُ يوماً بفرجةِ النور تلك، شاءتِ الأقدار أن أعيشَ هذه التجربة، ربما حتى أحرّر نفسي مِن وهم ما هوَ أجمل.. لتنجلي أمامَ عيناي حقائِق تبدو سوداء قاتِمة.

مرَّ الوقت ببطءٍ شديد هذا اليوم، ومرة أخرى عجزتُ عن النوم، كنتُ أحسِّ بالمرض مثل شبحٍ يرافقني أنى اتجهْت، وكنتُ قلقاً بشدّة وأوجاعُ رأسي متفاقمة، ولَم أحصَل إلاّ على قليلٍ جداً مِن الهدوء قبل الفجر بقليل.

* * *

——————————
a2a_linkname=”مذكرات الأيام الست.. الطريق إلى النبك (4)”;a2a_linkurl=”https://medaad.wordpress.com/2009/03/25/conscription4/”;
——————————

مواضيع ذات صلة:
– مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الأول)
– مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثاني)
– مذكرات الأيام السِّت.. الطريق إلى النبك (القسم الثالث)

Advertisements
  1. مارس 25, 2009 عند 5:15 م

    إذا تم أمر بدا نقصه
    ترقب زوالاً إذا قيل تم

    الله يخلصنا قريبا من هالنظام..

  2. mahamed
    مارس 25, 2009 عند 8:00 م

    It was 1973, fresh out with engineering degree; I decided to finish military service to gain my freedom. We were 500 engineers and doctors in that group in Salamia, Halap.
    One doctor with very rare specialty from USA was pulled direct from the airport to the camp.
    It was very cold winter and the unheated Barrack (mahja3) was long and high and most of its windows were broken, with two small hardly working diesels heaters which did not make any difference. It was a torturing chamber for me who never exposed to such harsh cold environment especially I have a case of continues diarrhea. It was less than a week passed when one guy from us, I believe a doctor, came back from an interview with the big baboons; came back in miserable case, swollen face and badly beaten. That night all of us were stunned and could not digest what happen to him, we start questioning what we humans signify to them. Next day, in the restaurant (feeding place), when they ordered us to start eating, no one moved a hand. They kept shouting and threatening us using bad words and insult. No one moved, when they fed up, they took us out and it was a long day of torture with orders to run and keep running. Many exhausted and fell from fatigue. At the end of the day, the big baboon responsible for the camp, came and made a speech apologizing on onside and threatening on the other. From now on, we knew that we are serving the beast.

  3. مارس 26, 2009 عند 4:51 م

    وكأنني في بلد ٍ آخر ..

  4. سامو
    مارس 26, 2009 عند 9:22 م

    سمعت الكثير عن سوء معاملة العسكري او المتخلف وحتى سوء معاملة الوحيد عند تجديد معاملته ..وكنت اقرء لك تلك الايام بكثر من الألم ..
    لم كل هذه المعاملة الشنيعه ..والتصرف السيئ.. لم لم يا بلدي؟!!..
    ولم يا ابن بلدي ويا اخي بالدم كل هذه القسوة؟.. اتأخذ حقك منهم وتعاملهم كما سبق وعاملوك..بل وتزيد لتكون الأفضل بنظرمن يهموك ..
    كنت لما اسمع عن العسكري عم يعد ايامه بالساعه من اول ما يصير عسكري لحد ما يستلم هوية المدينة استغرب قول ليش كل هاد متدايق من وجوده بالعسكرية واذا الواحد صار جندي وتعلم يحمل بارودة وتعلم يرمي ويضرب وكان جسمه صلب حتى يقدر يدافع عن بلده ..
    بس بعد كل يلي قريته لقيت معه حق العسكري شو ما قال..
    منيح انو صارت العسكرية سنه ونص بس الله يعينه عالدورة بكرة دورته ست اشهر لانو متعلم ..

    عكل حال بهيك حاله بقول:
    علمتني ضربة الجلاد أن أمشي على جرحي الدامي ثم أمشي وأمشي وأقاوم ..

  5. مارس 26, 2009 عند 9:37 م

    أشعر بأنني سأغطي عيني لأردأ عن نفسي مشهداً لا أريد أن يرعبني.

    تحدث في احسن العائلات، وتحدث في أحسن الأفلام كذلك،

  6. مارس 27, 2009 عند 12:20 ص

    متابع …. وبحرقة

  7. HAWK EYE
    مارس 30, 2009 عند 1:23 ص

    نيثان مع كل ما مررت به أتذكر رائحة العفن الخارجة من كياس الخيش للنوم عليها , و الراس و القدم (( السردين- المكدوس )) , هل تذكر حنفية البخشة و هي السبيل الوحيد لماء الشرب , هل تذكر عند التحرك أن تحرك يدك المغلولة و أنت تحركها جيئة و ذهابا كيلا تعيق مسيرك بدرب الجلجلة .
    لا شكرا لك لأنك أرجعت لي أسوأ الذكريات التي لم يبق منها إلا وجه السجان , بقي لك يومان يوم الذهاب الى المستشفى بالطريق و يوم البالوني .
    هل عددت الخمس درجات التي تفصلك عن سجانيك ؟
    السيارة bOX التي أقلتني الى حمص كان بها 84 شخص كانت السلاسل ثلاثة و كان دخاننا الوحيد الحمرا سعر الباكيت 125 ليرة .
    نعم إنها سيرة ما يقارب خسون ألفا من حماة الديار سنويا .
    ملاحظة لا توجد رائحة عفن بل هي رائحة قيئ ممزوجة بالدم و الSHIT

  1. مارس 30, 2009 عند 4:11 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: