الرئيسية > مداديات > حافلة الموتى..

حافلة الموتى..

مايو 12, 2009 أضف تعليق Go to comments

woorden door

زائراً إلى ما كان يُدعى بـ(الوطن) عند البعض، ذاك المنفى المصطبغ بلون الدّم والمغطّى بمساحات شاسعة من الأنين، ذلك القاطن أبداً على حافة الأسئلة.. ذاك البلد المحدودب الظهر تحت ثقل عواهره سدنة بيت ماله ومرتزقة العربات المَلكيّة..

سائراً في الأزقة العتيقة للمدينة التي يندثر فيها الزمن.. تلك المدينة التي ما زالت تنبعثُ من أرصفتها رائحة اللحم البشري.. أراقب بذهول وبعض البَلَه مجموعة من الهررة كفّت عن المواء بسبب برد الشتاء يرافقها أشباح موتى في رحلة بحث يومية بين أكوام القمامة.

الريح الباردة تزاور ذات اليمين وذات الشمال وتعبث بأشلاء المشرّدين.. تعمّدهم الرطوبة ويغتسلون بقمامة الدولة، يسكن في عيونهم نجيعٌ يتساقط مع كلّ مساء وهم يتماسون بالتعب على بعضهم البعض.. كالممسوخين تقطنهم أفكارٌ ممنوعة بكماء لا تنطق.. وحزنٌ وحزن. حزنٌ طويل يمتدّ عميقاً في قرون وسنين وأيام وليالٍ.

“حاكمٌ معتوهٌ وشعارات.. شعارات.. والمزيد من الشعارات التي لا تُسمن من جوعٍ ولا تُغني من برد.. سُحقاً الكلامُ لا يُشبع، وكما الوقت هي الكلمات لا تنجز شيئاً كهؤلاء.. هؤلاء الذين ينسجون من صمتي كلاماً يسترون به ظلمهم..، مَن يكنس هؤلاء النائمين على خاصرة الوقت المترنحة مَن.. مَن..” ستينيٌّ حرثت السنين ملامحه الباردة يهمسُ بها بحنق وهو يبصقُ على ملصقٍ لأحد مرشحي البرلمان، ويستمرّ بجرّ جثته بثقل عبر دهليزٍ ضيِّق في الزقاق.. أطارده بعينيّ ليبتلعه الظلام شيئاً فشيئاً تاركاً ظلاله للعابرين..

استمرُّ في السير تحت ظلِّ قمرٍ لم يأتِ بعد وأعرّج على زقاقٍ آخر.. لا يختلف شيئاً عن الذي قبله.. والذي قبله.. والذي قبله.. كل شيء متشابه إلى حدٍّ بعيد، ملامح الطُرق والبيوت روتينية جداً. أشعر بأحداق تراقبني من خلف النوافذ، صريرُ بابٍ يشقّ السكينة يخرج طفلٌ يرمقني بغرابة شديدة.. وكأنني كائنٌ فضائي أو مسخٌ من العصور القديمة.. تُسرع أمه وتدخله إلى ما يشبه البيت وتغلق ذلك الشيء الخشبي مرّة أخرى دون أن يرتفع نظرها إليّ..!!
أسرعُ الخطا وقدماي تشاكسان تراب الأرض هرباً.. أخاتل ُ الأرواح السابحة في الفضاء الصامت.. الأحداق المحيطة بي تتشاجر مع جثتي بكلماتٍ غير مفهومة.. ليلٌ هزيل يتسلّل إلى المكان يوشي غلاف المكان بعتمة ورهبة موحشة.. لا شموع تُشعَل ولا أضواء تتسرّب من النوافذ.. ظلامٌ داكن ليله طويل كأعمار الموتى..

فجأة.. ينبعثُ صوتٌ خشن الملامح من ورائي يزيد من رعبي وانخطافي وذهولي: “يا بشريّ.. عُد من حيث أتيت ولا تلوّث ذاكرة الليل فهي كالقرابين لا تُمحى.. لم يعد عندنا ما يأخذوه.. دعنا.. دعنا وشأننا.. ودع هذا التعب الغافي في سُباتنا بعيداً عن كلّ ركام الزيف والعفونة هناك.. فقد كنّا أحذيةً في أقدام حاجاتهم ومياهاً يغتسلونَ فيها من وثن غربتهم عنا.. حتى إذا ما أخذوا ملامحنا وأحلامنا.. رمونا كالقمامة.. كالقمامة..”..
التفتُ إلى الخلف لأرى مصدر الصوت.. لم يكن هناك سوى عويل ريحٍ وغبار طريق وشارعٌ مزدحمٌ بالغيّاب.. شيئاً فشيئاً يختفي كلّ شيء ويذوب المشهد وتذوي أشباح “هاملت” التي كانت تضجّ خلف النوافذ.
..
..
في حفلة المساء الصاخبة احتفالاً بانتخاب الوزراء الجدد المعروفين سلفاً.. كانت الأغاني الصاخبة تضجُّ في المقاهي والمطاعم وشوارع الأرستقراطيين.. بينما كان هناك صوتٌ خافت ينبعث من الطرف الآخر للمدينة يغني بهدوء..

“عودوا أنّى كنتم غرباء كما أنتم.. فقراء كما أنتم..
يا أحبابي الموتى عودوا.. حتى لو كنتم قد متّم..
صمتاً صمتاً.. يا هذا الطارق أبواب الموتى.. يا هذا الطارق من أنت..؟!!
لم يبق لدينا ما نعطي.. أعطيناه دمنا.. أعطيناه حتى أعظمنا وجماجمنا..
ومضينا مقهورين..
لا نملك إلاّ بعض ترابٍ من ماضٍ..
يا هذا الطارق أبواب الموتى.. ضوضاؤك تفزعنا.. وتقضُّ مضاجعنا..
فارجع لا تفجعنا..
لا تحرمنا النسيان..
..
..
.. ”
..

Share

—————–

مواضيع ذات صلة:

– وزهرٌ أينع في يبوس

– مدينة القديسين

– مذكرات الأيام الست.. الطريق إلى النبك

– يا سيدي ليس ذنبي

Advertisements
التصنيفات :مداديات
  1. مايو 12, 2009 عند 1:50 ص

    سُحقاً الكلامُ لا يُشبع …

    وفقط!

  2. جنين2002
    مايو 12, 2009 عند 2:39 ص

    للاسف موتى..
    وهكذا يكون وطن الموتى..

  3. mahamed
    مايو 12, 2009 عند 4:26 ص

    Good writing.
    This is the real thing, are there any ones out there remain to feel what you have written, the doubt fill
    the land the whole land.
    Isn’t ironic that foreign land can take you, provide for your thoughts and your humanity, hire you without discrimination over your political association or to which clan you belong and your own land discriminate against every type of discrimination known to humans.
    However nothing can kill a nation but something can suck the good and fortune out of it.
    It is a reminder of what some insects can do, and it is natural after all:
    http://video.msn.com/video.aspx?mkt=en-US&vid=185c5f89-5550-4a3a-9779-420490c3d428

  4. عبد الله
    مايو 12, 2009 عند 2:31 م

    كل شيء متاح حتى النوم
    النوم في أي مكان
    أتعبني كل شيء حتى غفوة على تابوت

  5. مايو 12, 2009 عند 6:23 م

    من يوم ماسمعتني هالغنية و هيي عالقة بذهني لهلأ

    سوف يعودون إذا كان للحياة في حياتنا مكان
    فنحن لسنا سوى مجموع إنسان
    يتهادى ثملا من ضرب نواقيس القهر و الألم في أحشائه
    أي حياة في اللاحياة

  6. GMR
    مايو 12, 2009 عند 8:18 م

    كان لي الشرف في قرائتها للمرة الأولى .. ومنذ ذلك الوقت ولا تزال تترد في عقلي عبارتك – التي أعتبرها من العبارات المجيدة – متغلغلة في داخلي حينما تقول

    ” حتى إذا ما أخذوا ملامحنا وأحلامنا.. رمونا كالقمامة.. ” ..

    شكرا لأطرابنا بأنغام من حقيقة مريرة تجلت ككوكب علينا من خلال قلمك ..

    تحياتي ..

  7. مايو 12, 2009 عند 8:43 م

    الكتابة السوداء كأنك تذكرني بمذكرات مالدورور لوتريامون

  8. clever girl
    مايو 13, 2009 عند 12:36 ص

    السلامُ عليكم ..

    قوارع الطريق انبثرت باوراق الخريف .. لتخفي ملامحها المشوهه ..
    حتى صِرنا نبعد تلك الاوراق عن الارصفة .. فقط لنكتشف حقيقة هذا الطريق وملامحه ..
    فكلما ابعدنا ورقة .. اتت العشرات منها لتغطي مكان الاخرى ..
    هذا وضعنا العرب .. حكامنا يغطون عيوب اليهود وامريكا .. ونحن نقع في الموت والمجازر ..
    وكلما رأيت بلدة تتعاطف مع تلك الدول الصهيونية .. فأعلم انك في طريقك للموت ..
    هذا هو الموت الحقيقي في حياة متجدده لا تنضب من الضجيج والدماء والبواكي ..
    فسلامٌ عليكِ يا ارضنا ويا ارصفتنا ويا مواتانا ..
    قد اتخذوكِ حُكامنا خدماً وحرساً وجنوداً .. وهم في مضاجعهم ينامون حتى لا يصحوا على الم هم سببوه ..
    هنيئاً لكم اعزتي .. ناموا في سباتكم .. فأنتم احياء ترزقون ..
    اعزائي اعتذر إن ابتعدت عن نِطاق الموضوع ولكن كل ما في مشاعري وما تختلجها دماء الابرياء الاطفال .. اطفال غزة .. وهنا الوزراء والحكام بين كؤوس الخمر المتراقصة .. يضربونها ببعض .. وكل صوت يخرج من اثر اصطدام تلك الكؤوس تبدأ مجزرة جديدة ..
    اختكم فدك الزهراء
    وشكراً نلقاكم في مجزرة اخرى .. تحياتي انا العربي بين الموتى ..

  9. مايو 13, 2009 عند 8:17 م

    مداد..
    فلتحل لعنة الالهة بكل انواعها على أعدائك اجمعين
    🙂

  10. مايو 14, 2009 عند 1:38 ص

    أخي الحبيب

    أسجل هنا رأيي الذي ربما أخبرتك به شخصيا

    النص عظيم وله أبعاد جميله طرحت رغم الاختلاف بأدب، وهو رائق وغاية في الروعة والتناص فيه جميل ولغته قوية وسبكه متقن.
    أما التصوير فقد أجدته جدا فلم تخرج به عن مضمون الفكرة العام أو تسترسل فيما لا يخدمها.

    اسمح لي بمتابعة مدونتك الرائعة

    ولك الود والامتنان لاتاحة الفرصة

  11. مايو 14, 2009 عند 2:28 م

    كنوحٍ نَعى ابنه إلى سفنيته

    كرُعافٍ مالِح و انتظارٍ موجِع

    لَيسَ تقديراً لامتزاجِ حَرفِكَ بالدَّم

    بل … لاقتباسِكَ مِن روحِكَ دائِماً

    ناصِعةٌ رغمَ سوادِ الصُّورة …. ، ناصِعةٌ مدينتك يا صديقَ الحلم .. والورقة .. والبلدِ العجوز

    كفاني هنا
    واعلَم أنني ، بانتظار ، أرقبُ ما تخبئُ لَك الأقدار .. ، ولِي .. ، ولِمدائِنِكَ الحزينة

    كُن بخير

  12. مايو 14, 2009 عند 6:12 م

    هنالك موتى ومستوطناتٌ
    وموتى وبولدوزراتٌ
    وموتى ومستشفياتٌ
    وموتى وشاشات رادار ترصد موتى
    يموتون أكثر من مرّة في الحياة
    وترصد موتى يعيشون بعد الممات ..!
    وموتى يربّون وحش الحضارات موتًا
    وموتى يموتون كي يحملوا الأرض فوق الرّفات…

    موتى يموتون
    موتى يعيشون
    موتى يعودون
    موتى يبوحون بالسرّ
    فلتمهلوا الأرض حتى تقول الحقيقة
    كلّ الحقيقة … !!

    درويش ..
    ……………………..

    يا ابن الإنسان ..
    فلتدخل من هروبهم ..
    ولتسكن في منافيهم ..
    واقترب قليلاً .. هنالك صوتٌ عابث في سكون شاعري هجين لا مكان له ..
    اقترب قليلاً .. ومارس معجزة الخَلق من الفكرة ..

    لعلها تورق في اليباب .

    سعيدٌ بقراءتها سابقاً ..
    سعيد بقراءتها مرة أخرى

    تحية .

  13. Malek
    مايو 15, 2009 عند 3:36 ص

    إن عشت فعش حراً أو مت كالأشجار وقوفاً

  14. مايو 18, 2009 عند 2:48 ص

    ربما الوطن صار المنفى … يطحننا يمزقنا و يصنع من أشلائنا زوادة الحياة القادمة … كل ثقب أسود يبتلع النجوم يقابله ثقب أبيض تبزغ منه نجوم جديدة أشد تألقاً و لمعاناً .. قيل الألم يصنع الإبداع … عليك أن تشكرهم على الألم … و لا شو ؟
    و نحن سنشكرك على الإبداع رغم أن الشكر لغة سخيفة

    كن بخير

  15. مايو 18, 2009 عند 6:54 ص

    حرروف جميلة…….
    واظن المعلقين قالوا الكثر حتى لم يبق لي
    سوى صدى كلمات في داخلي……..

    مدوتتي الك…….

  16. مايو 18, 2009 عند 7:08 م

    من أين أتت ..
    الى أين ذهبت ..
    تلك الحافلة ……….
    لا أحد يعلم .
    تقبل مروري

  17. فراولة
    مايو 20, 2009 عند 4:30 ص

    لا رغبة لديّ بالبكاء ,,, رغم استحقاق وقت البكاء في زمن يقاس فيه مقدار الدمع
    ويحقق فيه عن السبب والمسبب والقصد والمقصد

    إيمان ,,, حب ,, الكثير من العمل

    آه نسيت
    قبل كل هذا
    إنسان

  18. لينا
    مايو 21, 2009 عند 3:30 ص

    حتى لو ارادونا موتى
    وجعلونا موتى
    وقتلونا موتى
    سنعود من جديد
    من كل زقاق موتى
    ومن كل مقبرة موتى
    سنعود الاف المرات
    سنبعث الحياة في جميع الموتى
    ونمشي على جثثهم
    اولئك من ارادونا موتى
    فنان ارفض الموت تحت اقدامهم
    ولن يستطيعو سرقة احلامي
    او ذكرياتي
    ولن يستطعيون رسم طريقة وأوان موتي
    وحدي فقط استطيع ان اعود من موتي
    ل………؟؟؟؟؟؟؟

  19. Asma
    مايو 22, 2009 عند 1:43 م

    Liked it…good one

  1. يونيو 28, 2009 عند 8:25 م

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: